حزب الدعوة الإسيلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (حلقه‌1 - 3)

22 Jun 2016 ساعة 14:18

حين برز اسم حزب الدعوة الإسلامية بعد العام ۲۰۰۳ كأحد أبرز الأحزاب الحاكمة في العراق؛ كثر الحديث عنه في الأوساط البحثية والصحفية والإعلامية؛ بصورة غير مسبوقة


جدليات الدعوة:
حزب الدعوة الإسيلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي
(كتاب في حلقات)
الحلقة الأولى

بقلم: د. علي المؤمن


حين برز اسم حزب الدعوة الإسلامية بعد العام ۲۰۰۳ كأحد أبرز الأحزاب الحاكمة في العراق؛ كثر الحديث عنه في الأوساط البحثية والصحفية والإعلامية؛ بصورة غير مسبوقة. وصدرت في هذه الفترة عشرات الكتب والدراسات العربية والإيرانية والأميركية والبريطانية والفرنسية التي درست تاريخه ومسيرته وسلوكه. ولكن وجود المصادر المتعارضة والمعلومات غير الصحيحة وغير الدقيقة الأخرى؛ جعل معظم ماكتب يثير إشكاليات وتساؤلات حول الحزب أكثر من كونه يقدم مقاربات حقيقية وإجابات. وظلت غالبية الإشكاليات تدور حول تاريخ التأسيس والمؤسسين وطبيعة الانتشار وعبور حزب الدعوة لحدود العراق باعتباره حزباً عالمياً، وعلاقته بالموضوع المذهبي والطائفي، أو مايعرف بالعبور على المذهبية، والتحولات في الفكر التنظيمي والسياسي للحزب، والانشقاقات التي أدت الى تقسيم التنظيم والدعاة، وتنظيمات حزب الدعوة غير العراقية وأسباب انهيارها، وممارسة الكفاح المسلح في مرحلة المعارضة، وسلوك” الدعوة“ والدعاة داخل العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وتحول الدعاة الى مسؤولين وحاكمين في الدولة العراقية.
معلومات دعائية
وتزامن هذا مع إثارة الأحزاب والجماعات العراقية؛ سواء المنافسة داخل العملية السياسية في العراق الجديد،أو المعارِضة للعملية السياسية، أو الإعلام العربي المعارض لنظام العراق بعد ۲۰۰۳ ؛ معلومات دعائية عن حزب الدعوة؛ لعبت دوراً
مهماً في رفع منسوب الإشكاليات والتساؤلات. واسهمت مقولات بعض الدعاة الأوائل ومذكراتهم؛ ممن انشقوا عن الحزب أو خرجوا عن نظريته، ودخلوا في حالات تعارض مع قيادات الحزب أو منهجه؛ في تراكم الحالة الضبابية على مسيرة الحزب؛
لأنها مقولات في التقويم الأكاديمي تتسم بالإسقاطات الشخصية غالباً. فضلاً عن أن كثيراً من الدعاة؛ من خارج التنظيم وداخله؛ برزت لديهم أيضاً إشكاليات فكرية وسياسية؛ ترتبط بأداء حزب الدعوة بعد تسلم السلطة، وعلاقة هذا الأداء بالفكر الإيماني والتربوي والعقائدي والتنظيمي والسياسي للحزب، وهي إشكاليات يرون في صلبها تعارضاً بين هذا الأداء والسلوك من جهة، ونظرية حزب الدعوة وفلسفة وجوده
من جهة أخرى.
دراسات ومؤلفات
ومن هنا؛ وجدت أن الأمانة العلمية والمسؤولية التاريخية تدفعاني للكتابة حول هذه الإشكاليات والجدليات، ومحاولة تقديم مقاربات موضوعية حولها؛ زعماَ مني بأنني بقيت ألاحق جدليات الدعوة لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً دون إنقطاع، وأدرسها وأتعمق فيها .وأزعم أيضاً أنني استطعتتفكيك معظمها. وكانت باكورة نتاجاتي مقالات نشرتها في عام۱۹۸۳ ، ثم دراسات نشرتها في أواسط الثمانينات ونهاياتها، ثم ثلاثة مؤلفات كبيرة؛ أولها ”سنوات الجمر“ الذي صدر عام ۱۹۹۳ واستغرق العمل فيه أكثر من سبع سنوات، و يعالج الفترة من ۱۹۵۷وحتى ۱۹۸۶ (ثلاثون عاماً) .والكتاب الثاني ”سنوات الرماد“، ويعالج الفترة من ۱۹۸۷ وحتى ۲۰۰۲ (ستة عشر عاماً) ، والثالث ”سنوات الحصاد“؛ ويعالج الفترة من ۲۰۰۳ وحتى ۲۰۰۶ (أربع سنوات . (أي أن المجلدات الثلاثة تدرس نصف قرن من تاريخ الحركة الإسلامية العراقية. إضافة الى تسع دراسات متسلسلة تحت عنوان : “حزب الدعوة الإسلامية من الشروق الى السطوع“، وأربع دراسات بعنوان” :متلازمات حزب الدعوة الإسلامية“، ودراستين عن الإمام السيد محمد باقر الصدر. مع الإشارة الى أن منهج كتابي ”سنوات الرماد ”و“سنوات الحصاد“ هو منهج شمولي، اعتمدت فيه تركيباً من المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المعياري والمنهج المقارن. ولعل هذا المنهج ونوعية المعلومات وطبيعة المادة والتحليل والتقويم؛ هي بالمجمل لاتزال تحول دون نشري هذين الكتابين؛ بالرغم من أنني انتهيت من إعداد الأول في العام۲۰۰۵ ، والثاني في العام ۲۰۰۹ ، ولا أزال أتابع أي مادة ومعلومة وتحليل له علاقة بالمرحلتين. ولكني سأرجئ نشرهما الى وقت يسمح فيه الواقع ويتحمل ماينشر. وقد ذكرت جزءاً من أسباب عدم نشرهما في مقدمة الطبعة الثالثة من كتاب ”سنوات الجمر“.
كتاب وباحثون
وفضلاً عن مؤلفاتي ودراساتي الخاصة حول حزب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية العراقية والحركات الإسلامية في كثير من البلدان العربية والإسلامية؛ فإن مراجعات كثير من الباحثين؛ عراقيين وغير عراقيين؛ ممن يريدون الكتابة عن حزب الدعوة الإسلامية والحركات الإسلامية العراقية، وكذلك مرحلة ما بعد ۲۰۰۳ في العراق، والحركات الإسلامية غير العراقية؛ كان دافعاً آخر للمتابعة الدقيقة؛ الى مستوى اكتشاف المعلومات والمعطيات التفصيلية التي قد لاتنفع أحداً؛ سوى باحثين حفريين و صحفيين فضوليين و كوادر إسلاميين معدودين. وقد قدرلي بعد إقامتي في لبنان؛ أن أكون مصدراً معلوماتياً وتحليلياً لعدد من أطاريح الدكتوراه والماجستيرحول الحركات الإسلامية وحزب الدعوة وبعض مؤسسيه وقادته؛ عراقيين وغير عراقيين، وعن مرحلة العراق الجديد؛ بينها أطروحة دكتوراه لمستشرق ألماني عن حزب الدعوة؛ ناقشها في عام ۲۰۱۳ . ولا يزال هناك إشراف علمي ومنهجي على طلبة وباحثين من العراق وايران ولبنان والبحرين يكتبون عن حزب الدعوة الإسلامية
)بلغ عددهم تسعة طلبة وباحثين) خلال عام ۲۰۱۵. وهذا يدل على أهمية مسيرة حزب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية الشيعيةعلى كل المستويات؛ الدينية والفكرية والسياسية والاجتماعية؛ ليس على الصعيد العراقي والشيعي وحسب؛ بل على صعيد تحولات المنطقة الإسلامية برمتها، وأنها تستحق المزيد من البحوث والدراسات والمؤلفات المعمقة؛ وهو ما يترشح باستمرار من نتاجات الباحثين والأكاديميين العرب والشرقيين والغربيين.
ندوة طوكيو
و أنقل هنا أنموذجاً لأهمية موضوع حزب الدعوة خصوصاً والحركة الإسلامية الشيعية بعد العام ۲۰۰۳عموماً. فقد نشر الباحث والمؤرخ الدكتور رسول جعفريان تقريراً عن ندوة شارك فيها في جامعة طوكيو في اليابان عام ۲۰۰۷ ؛ ذكر فيه نصوصاً للبروفسورة اليابانية المستعربة ”آساكي“ الاستاذة في جامعة طوكيو، والتي تقول انها درست الواقع العراقي بعمق ؛ وركّزت في دراساتها على حزب الدعوة لأهميته، وإن مصادرها الأساسية كانت كتابات الباحث علي المؤمن، ولاسيما كتاب ”سنوات الجمر“ . كما أشار جعفريان الى اهتمام الباحثين الأكاديميين اليابانيين المتخصصين في الشؤون الإسلامية وقضايا الشرق الأوسط بالحركات الإسلامية الشيعية، وفهمهم الموضوعي القريب للواقع لها. وحين ندرس الإشكاليات والجدليات
ونفككها ونقومها وننقدها؛ ثم نعالجها؛ فإننا نلتصق بالموضوع وليس بالخلفيات والانتماءات، أو بسلوك قيادات الجماعة وأفرادها، أو الأحداث اليومية التفصيلية؛ لأن
القيادات والأفراد عرضة للتغيير، وإن شكل الأحداث التفصيلية ومضامينها تتغير باستمرار أيضاً؛ بينما تبقى المسيرة بكلياتها الفكرية والإستراتيجية والتطبيقية قائمة.
المرحلة السرية
هناك إشكالية مهمة تواجه الباحث عند الكتابة عن حزب الدعوة الإسلامية وغيره من الجماعات التي عاشت السرية في مراحل تأسيسها وانتشارها وجهادها؛ إذ عاشت ”الدعوة“ منذ تأسيسها العام ۱۹۵۷ وحتى العام ۱۹۷۹مرحلة مغلقة وشديدة السرية؛ فكان علينا اعتماد الشهود في كثير من المفاصل التي ندونها. وحينها نواجه بإشكالية أكبر؛ تتمثل في تعدد زوايا نظر الشهود على الأحداث، وتعدد قراءاتهم. وهنا ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار أن كل شاهد على تلك المرحلة ينظر للأمور من زاويته؛ الأمر الذي يجعل كثيراً من الأمور ملتبسة؛ حتى على قدامى الدعاة؛ فكل شاهد على تاريخ حزب الدعوة وأحداثه ومراحله ينظر من خلال مشاهداته الحسية ومن طبيعة دوره وارتباطاته ومسؤولياته التنظيمية، وكثيراً ما تكون هذه المشاهدات مبتورة؛ بالنظر لطبيعة سرية التنظيم وفعالياته والتغييرات الدائمة في أساليب العمل وفي المسؤوليات،
ومحدودية العلاقات بين الدعاة وعدم إنكشافهم على بعضهم؛ مهما بلغت مستوياتهم التنظيمية، وانقطاع خيوط بعض التنظيمات، ثم التآمها بطريقة لامركزية ودون علم القيادة. فمثلاً في بدايات إشتغالي في أوائل الثمانينات على تاريخ ”الدعوة“ ومسيرتها؛ كنت أصطدم بالمعلومات المتعارضة أحيانا والتي ينقلها لي كوادر وقياديون في حزب الدعوة. و لكن بمرور السنين تعودت التعارض، ولعلي اكتشفت
شيفرته؛ ما يجعلني أعد كل ما ينقله الدعاة الشهود من كوادر وقياديين هو صحيح؛ ولكن كل من موقعه وزاوية نظره ودوره ومشاهداته ومسؤولياته، وهو ما ينسحب أيضاً حتى على ملابسات التأسيس والسنوات الأولى من عمر ”الدعوة“. وكان مظهر هذا الواقع السري الحديدي هو عدم وجود ارشيف لحزب الدعوة يعتمد عليه في تدوين
تاريخه ومسيرته وأسماء قيادييه ولجانه؛ يوما بيوم أو شهراً بشهر و حتى سنة بسنة. ومن هنا ضاعت كثير من الحقائق. وبقي الخيار الوحيد يتمثل في الاعتماد على ذاكرة الشهود؛ وهي ذاكرة تتعرض للتصدع حيناً؛ فتوِّلد النسيان والخلط ، أو ترتكز على زاوية النظر الشخصية حيناً آخر، أو تلوذ بالصمت حيناً ثالثاً؛ لأسباب ترتبط بالظروف والمصالح العامة والخاصة.
بين ”شبّر“ و “الأديب“
وقد جرت في ايران في ثمانينات القرن الماضي؛ محاولة قادها اثنان من مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية: السيد حسن شبر ومحمد صالح الأديب؛ لتدوين تاريخ الدعوة. وترشحت عن هذه المحاولة بعض المقالات والمذكرات والكتب غير الرسمية؛ ولكن المشروع الرسمي لم ير النور في النهاية.

حزب الدعوة الإسيلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي
(كتاب في حلقات)
الحلقة الثانية

بقلم: د. علي المؤمن


في هذا الكتاب “جدليات الدعوة” وكتبنا اللاحقة عن حزب الدعوة الإسلامية خصوصاً والحركة الإسلامية العراقية عموماً؛ سنقارب مجموعة من الإشكاليات والجدليات الأساسية؛ ترتبط غالبيتها بموضوعات الاجتماع الديني والسياسي؛ أهمها:
۱- الخلفيات التاريخية والحاجة الواقعية لإيجاد حراك تأسيسي في الوسط الشيعي العراقي وغير العراقي، والذي أنتج انبثاق فكرة حزب الدعوة الإسلامية، ومراحل تأسيسه، ومؤسسيه، ودعاته الأوائل، ولاسيما الفترة الممتدة حتى عام ۱۹۶۵، وخروج بعضهم من التنظيم، وخروج آخرين على النظرية، ومساحات الانتشار الجغرافي للحزب في سنواته الأولى، سواء داخل العراق أو خارجه، أو في أوساط الحوزات العلمية والجامعات.
۲- التحولات في الفكر الفقهي والعقيدي والسياسي والتنظيمي لحزب الدعوة وسلوكه الحركي، وعلاقة ذلك بالحواضن الاجتماعية؛ كالعوائل والمدن والمجتمعات الحضرية والريفية، وأيضا علاقته بفكر القيادات التي تسلمت زمام الحزب وسلوكياتهم وانتماءاتهم الاجتماعية وتخصصاتهم الدراسية، وقد توزعت هذه التحولات بين سبع مراحل؛ كان فيها قيادي أو اثنان؛ الأكثر تأثيراً فيها، وهي:

المراحل السبع
أ‌- مرحلة السيد محمد باقر الصدر النجفية ( ۱۹۵۷ـ۱۹۶۱)؛ التي مثّلت مرحلة التأصيل الفقهي والعقيدي لنظرية حزب الدعوة.
ب‌- مرحلة السيد مرتضى العسكري البغدادية (۱۹۶۱ـ ۱۹۶۳)؛ التي مثّلت مرحلة الشد والجذب بين مبدأ قيادة علماء الدين وقيادة المثقفين.
ت‌- مرحلة الثنائي عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي البغدادية (۱۹۶۴ـ ۱۹۷۱)؛ وشهدت تحولاً في طرح “الدعوة” من قيادة في الأمة الى قيادة للأمة.
ث‌- مرحلة محمد هادي السبيتي المهجرية (۱۹۷۲ـ ۱۹۷۹)؛ التي مثّلت الانفتاح المذهبي والتبلور الفكري والبناء التنظيمي الحديدي.
ج‌- مرحلة الشيخ محمد مهدي الآصفي الإيرانية (۱۹۸۰ـ ۱۹۹۲)؛ التي شهدت تبني الحزب مبدأ “ولاية الفقيه” العامة ومبايعة مصداقها.
ح‌- مرحلة الدكتور إبراهيم الجعفري الأوروبية ثم العراقية (۱۹۹۳ـ ۲۰۰۷)؛ التي تميزّت بالتوقف الفكري والانفتاح السياسي.
خ‌- مرحلة السيد نوري المالكي العراقية (۲۰۰۷ـ ...)؛ التي تركزت على غلبة “فكر الحكم” وممارسته على “الفكر الدعوي”.

الانشقاقات وفلسفة الحزب
۳- انشقاقات حزب الدعوة، وعلاقة ذلك بمجموعة من العوامل؛ أهمها: طبيعة القيادة الجماعية ونوعية الهيكلية التنظيمية، وتأثير الفكر التربوي للدعوة على الدعاة، وأساليب صقل شخصياتهم كـ ( قادة للأمة) كما يؤكد فكر “الدعوة”، وخلق حالة المسؤولية لديهم تجاه “الدعوة”، إضافة الى العامل الخارجي المهم، الذي برز بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
۴- الأداء الحكومي والسياسي والتنظيمي والثقافي لحزب الدعوة الإسلامية وسلوك أعضائه بعد سقوط نظام صدام عام ۲۰۰۳، ومدى انسجام ذلك مع فلسفة حزب الدعوة ونظريته الايديولوجية وفكره العقيدي والسياسي تحديداً، وهذه الإشكالية يطرحها الدعاة غالباً، سواء المنتظمين ( الدعاة الذين لهم علاقة تنظيمية بالحزب) أو المنقطعين (الدعاة الذين تركوا الحزب تنظيمياً، ولكنهم ملتزمون به منهجياً)، وهي أهم إشكالية في تاريخ الحزب منذ تأسيسه وحتى الآن.

التجديد والعالمية
۵- إمكانيات التجديد في نظرية حزب الدعوة الإسلامية، والمواءمة الموضوعية بين “الحزب السياسي” و”الدعوة الدينية” في مرحلة الحكم؛ أي: حزب الدعوة كحزب سياسي، والدعوة الإسلامية كمنظومة عقائدية تبليغية؛ وذلك بسبب بروز إشكالية تقول: إن “الحزب” بعد العام ۲۰۰۳ نما على حساب “الدعوة”؛ ما أدى الى ارتفاع منسوب “الحزب” وانخفاض منسوب “الدعوة” .
۶- إمكانيات استعادة حزب الدعوة الإسلامية منظومته العالمية، وإعادة بناء تنظيماته وأقاليمه ومناطقه غير العراقية داخل البلدان الاخرى، كما في مرحلة ما قبل عام ۱۹۸۴؛ سواء بأسماء أخرى أو بالاسم نفسه؛ مستفيداً من وجوده في السلطة ومن إمكانياته الجديدة الفاعلة؛ ليشكل ذلك دعماً متبادلاً لكل وجودات الحزب؛ وصولاً الى دخولها العمل السياسي العلني وحصولها على التراخيص الرسمية.

المنظومة الشيعية
۷- علاقات حزب الدعوة الإسلامية في جانبها النظري والتطبيقي بالمنظومة الدينية الشيعية، وتحديداً المرجعية النجفية وحوزتها التاريخية من جهة، ومبدأ ولاية الفقيه ومصداقه من جهة أخرى؛ لأن هذه العلاقات من أساسيات موقف “الدعوة” الفكري، وما يترتب عليها من جدليات كثيرة؛ والتي بدأ بعضها مع نشوء الحزب، ثم تحولت الى قضية القضايا بعد انتقال قيادة “الدعوة” ومعظم كوادرها وعملها المركزي الى ايران بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية، أي أن مبدأ العلاقة وتطبيقاته بين حزب الدعوة والمنظومة الدينية الشيعية؛ سيبقى بالغ التأثير في قوة حزب الدعوة وضعفه.

منهج شمولي
إن هذا الكتاب يكمل مؤلفاتي ودراساتي السابقة عن الحركة الإسلامية العراقية، مع اختلاف في المنهج؛ لأن هذا الكتاب لا يؤرخ الى مراحل ويحللها؛ بل يقارب الإشكاليات والجدليات التي رافقت حزب الدعوة ويفككها ويقاربها موضوعياً؛ منذ انبثاق فكرته عام ۱۹۵۶، وحتى نهاية حكومة نوري المالكي عام ۲۰۱۴.
وحزب الدعوة؛ كغيره من الجماعات الايديولوجية الشمولية؛ هي ظاهرة اجتماعية مركبة، وليس كالجماعات السياسية الصرفة التي تخضع لمناهج علم الاجتماع السياسي، فحزب الدعوة هو حزب ديني سياسي ثقافي؛ أي ظاهرة اجتماعية دينية سياسية ثقافية، وبذلك تحتاج دراسته الى منهج مركب؛ يجمع بين مناهج الاجتماع السياسي والديني والثقافي، وهو المنهج الذي استخدمته في هذا الكتاب.

فصول الكتاب الستة
وتتوزع موضوعات الكتاب بين ستة فصول ومجموعتين من الملاحق، يحمل الفصل الاول عنوان: “تأسيس الدعوة وجدلية الاجتماع الديني الشيعي”، وتم تكريسه لبحث الخلفيات التاريخية والفكرية والسياسية والاجتماعية لتأسيس حزب الدعوة، ومسارات التأسيس ومشاكله وملابساته النظرية والاجتماعية، وشخصيات المؤسسين والدعاة الأوائل وانتماءاتهم الوطنية والاجتماعية وتأثير ذلك في تحديد نظرية حزب الدعوة ومساراته العملية.
واستعرض الفصل الثاني الذي حمل عنوان: “نظرية حزب الدعوة الإسلامية وجدليات التطبيق”؛ المفاصل الأساس في نظرية حزب الدعوة وفكره وثقافته، وكشف عن ملابسات الفصام بين بعض المفاصل النظرية وسلوك الحزب والدعاة، ودرس المرتكز الأساس في نظرية حزب الدعوة؛ أي المرتكز الديني العقائدي الايديولوجي، وما لحق به من إشكاليات بعد عام ۲۰۰۳، ومشاركة الحزب في حكم دولة غير إسلامية وفي إطار مبدأ وضعي ( الديمقراطية) وفي ظل احتلال أجنبي.
وفي الفصل الثالث: “ثنائية الوطنية والعالمية في نظرية الدعوة”؛ قارب الباحث المرتكز العالمي في نظرية حزب الدعوة، الذي يستند الى عالمية الإسلام في البعد النظري، وعالمية النجف الأشرف في البعد الواقعي؛ لسبب انتماء “الدعوة” الى مدرسة النجف الأشرف في مجالي الاجتماع الديني والاجتماع السياسي، إضافة الى ما آل اليه التنظيم العالمي للحزب بعد عام ۱۹۸۲.
وفي الفصل الرابع: “حزب الدعوة الإسلامية بين المرجعية الدينية وولاية الفقيه”؛ درسنا العلاقة الجدلية بين نظرية حزب الدعوة وواقعه التطبيقي وبين مبدأي المرجعية الدينية وولاية الفقيه ومصاديقهما النجفية والإيرانية؛ كونهما جدليات وليست ثنائيات اشكالية؛ وإن كانت جدليات ملتبسة.
وحمل الفصل الخامس عنوان: “حزب الدعوة الإسلامية وجدلية الحل”، ويتعرض الى حقائق أزمات العراق المتأصلة في تاريخه السحيق وديمغرافيته وجغرافيته، وفي موضوعات علم النفس الاجتماعي والاجتماع الثقافي والسياسي، وهي الأزمات التي ساهم في كشفها صراع حزب الدعوة مع واقع الدولة العراقية منذ عام ۱۹۵۸، ثم تفجرت بشدة بعد سقوط نظام صدام عام ۲۰۰۳؛ على شكل براكين ذات قوة تدميرية هائلة: طائفية وعنصرية وإرهابية وسياسية وخدماتية واقتصادية وثقافية وإدارية وجغرافية، وهي أزمات لا علاقة لها بنظام صدام أو التغيير عام ۲۰۰۳ وحسب؛ بل هي أزمات متجذرة في التاريخ والواقع العراقيين، ولم يكن نظام صدام سوى مظهر فاقع ومولد لهذه المظاهر، وفي الوقت نفسه قوةٍ كاتمةٍ وخانقةٍ لها، ويبحث الفصل أيضاً في إمكانيات حل هذه الأزمات بالطرق العلمية والواقعية.
وفي الفصل السادس: “جدلية حزب الدعوة الإسلامية والانشقاقات”؛ تم التركيز على ظاهرة الانشقاقات في حزب الدعوة وأسبابها، واستعرض الفصل أهم الانشقاقات في مسيرة حزب الدعوة؛ مع التركيز على هاجس “انشقاق السلطة” في آب من عام ۲۰۱۴؛ الذي لو كان قد حدث لدمّر معه العراق والشيعة وحزب الدعوة.

ملاحق ووثائق
وجاءت الملاحق بعد نهاية الفصول؛ لتكمل المادة البحثية للكتاب؛ إذ يضم مجموعة من أهم المداخلات والردود والأسئلة التي سجلها الباحثون وطلبة الدراسات العليا والمهتمون على دراساتي حول حزب الدعوة، وأجوبتي عليها، وقد نشرت بعض الصحف ووسائل النشر الإلكتروني هذه الاسئلة والأجوبة، وحملت الأجوبة مادة بحثية أيضاً، وكشفاً وتحليلاً لحقائق مهمة، وقد وضعت بعضها ضمن مواد الفصول؛ لعلاقتها المباشرة بموضوعاتها، كما احتوت الملاحق على بعض الوثائق والكتابات ذات الصلة بموضوعات الكتاب، والتي تكمل مقارباته وتزيدها وضوحاً..

- حزب الدعوة الإسيلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي
(كتاب في حلقات)
الحلقة الثالثة

بقلم: د. علي المؤمن


الدوافع الواقعية لانبثاق حراك اسلامي شيعي
قبل أن تنبثق فكرة حزب الدعوة الإسلامية وتتحول الى نظرية، ثم تنظيم، ثم حزب واقعي؛ كانت مجرد فكرة في أواسط الخمسينات من القرن الماضي في رؤوس عدد من الشباب الإسلامي الشيعي الناشط في العراق؛ وتحديداً في النجف الأشرف؛ ممن هم في العشرينات من عمرهم أو دون ذلك، وكان وراء الفكرة مزيج من الدوافع العقلية والعاطفية التي تحفزها هموم الساحة الدينية العراقية ومنظوماتها وأساليب تفكيرها، والواقع الاجتماعي، وحالة القهر السياسي، والتمييز الطائفي والتاريخية التي يعيشها شيعة العراق وعموم الشيعة العرب جراء ممارسات الأنظمة السياسية الحاكمة، والتقهقر الميداني والثقافي لحالة الإصلاح الإسلامي، ووجود التنظيمات العلمانية الجماهيرية الفاعلة.
ومن هنا؛ فإن مجمل دوافع هؤلاء الشباب كان وراءها الشعور باللوعة والهم الكبيرين؛ بسبب التراجع الذي عاشه التيار الإسلامي الإصلاحي والتغييري في العراق؛ منذ منتصف العقد الثالث وحتى أواسط العقد السادس من القرن الماضي، والذي كان يقابله جو مشحون بالتيارات والأفكار السياسية والايديولوجية العلمانية الوافدة، ووسط مهرجان من الأحزاب والتنظيمات العلمانية؛ التي يبرز من بينها التيار الماركسي الذي يمثله الحزب الشيوعي، والتيار القومي الذي يعد حزب البعث أهم أركانه، وما يعرف بالتيار الوطني، الذي يعد الحزب الوطني أحد أهم قواه، وما تبقى فقد كانت أحزاب سلطة أو أحزاب رموز، وكان انكماش الإسلام الحركي؛ يمثل فرصة مهمة للتيارات العلمانية، ولاسيما الجماهيرية؛ للإمساك بالساحة السياسية والاجتماعية؛ حتى في المدن التي تمثل قلاعاً دينية حضارية؛ كالنجف الأشرف.

تجمعات إسلامية
وكانت الحاجة الى العمل المنظم الشامل الذي يتبنى عملية التغيير في واقع الأمة الثقافي والسياسي؛ ولاسيما في الوسط الشيعي؛ كبيرة وملحة؛ لأن الوسط السني سبقهم إليه، فقد برزت منذ نهاية العشرينات تنظيمات وتجمعات إسلامية سنية كبيرة؛ كـ “الإخوان المسلمين” في مصر، و”حزب التحرير” في بلاد الشام، والجماعات الإسلامية في الهند وباكستان وتركيا وغيرها، ومن جانب آخر فإن الوجودات الشيعية الرائدة؛ كجمعية “النهضة الإسلامية” و”حزب النجف” و”الجمعية الإسلامية الوطنية” وغيرها؛ كانت تجمعات آنية تشكلت لأغراض محدودة وانتهت حال ارتفاع هذه الأغراض.
أما الجماعات الإسلامية الشيعية التي تأسست في أوائل وأواسط الخمسينات؛ كحركة “الشباب المسلم” ومنظمة “المسلمين العقائديين” وغيرهما؛ فكانت هي الأخرى محدودة وذات إمكانات متواضعة تنسجم مع أهدافها، ولم تسمح لها ظروفها باستيعاب الساحة؛ وبالتالي لم تكن قادرة على القيام بمهمة إحداث تغيير شامل في الواقع الإسلامي الشيعي، لأسباب وظروف تتعلق بقيادة هذه الجماعات وخصوصيات يتميز بها العراق بشكل عام، ووضع الوسط الديني العراقي بشكل خاص.

التغيير الشامل
هذه الهموم التغييرية الكبيرة التي كان يحملها بعض علماء الدين والناشطين الإسلاميين المثقفين؛ دفعتهم للتوصل الى مقاربة لعلاج الواقع؛ من خلال تبني أسلوب العمل التغييري المنظم الشامل في شكله الحزبي؛ بعد دراسة نظرية العمل السياسي في الإسلام، وتأريخ الأمة الإسلامية عموماً والعراق خصوصاً، وتجارب الشعوب وحركات المصلحين والوجودات الإسلامية السياسية السابقة، فكان نتاج الدراسات والمداولات العميقة المطولة يتمثل في تأسيس حزب إسلامي؛ يتحرك في المجالات كافة، وقد أسموه فيما بعد بـ “الدعوة الإسلامية”.
ولم يكن الحراك التغييري الإنقلابي الجديد المتمثل بحزب الدعوة الإسلامية يسعى لأهداف سياسية أو تنظيمية محدودة؛ بل كان مؤسِّساً لحالة مختلفة في مسار التاريخ الشيعي؛ شكلت انعطافة كبرى على مستويات الفقه السياسي والسلوك الحركي والعمل التنظيمي والرؤية التأصيلية لعملية التأسيس العصرية للدولة الإسلامية القائمة على مذهب أهل البيت، وهو عمل لم يسبق اليه الدعاة أحد من النخبة الشيعية في العراق وغيره.

تجارب تاريخية
ولا يمكن تشبيه العمل التأصيلي التأسيسي للدعاة الأوائل بالتجارب النضالية السياسية والحكومية للنخب الشيعية في المراحل التي سبقت تأسيس حزب الدعوة الإسلامية؛ كما هو الحال مع “الدولة العلوية” في طبرستان، وحكومة “السربداران” في سبزوار، و”الدولة الحمدانية” في شمال العراق وبلاد الشام، و”الدولة الإدريسية” في شمال أفريقيا، و”الدولة الفاطمية” في شمال أفريقيا ومصر، و”الدولة البويهية” في ايران والعراق، و”الدولة الصفوية” في ايران والجوار، وصولاً الى الحركات النضالية للنخب الشيعية في لبنان وإيران والعراق والبحرين في مطلع القرن العشرين الماضي وحتى أواسط الخمسينات، ومنها “ثورة المشروطة” في ايران، وثورتا “النجف” و”العشرين” في العراق، و”الثورة الدستورية” في البحرين، والحراك السياسي في جنوب لبنان.

الدولة الإسلامية
وقد تفوق الإنجازات الميدانية لهذه التجارب إنجازات حزب الدعوة بكثير، ولكن حديثنا هنا ليس عن الإنجازات الميدانية وحسب؛ بل عن الإنجاز التأسيسي لفقه وفكر وبنية سياسية شيعية تختلف عن كل التجارب السابقة؛ فقد أسس حزب الدعوة لأول مرة لمبدأ إقامة الدولة الإسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي ( ۳۲۹هـ / ۹۴۱ م )، وهي دولة تقوم على تأصيل فقهي خاضع لنظرية الشريعة الإسلامية وأحكامها التفصيلية، وليست دولة سلطانية تقوم على التوريث والطقوسية الشيعية؛ كما هو الحال مع الدول الشيعية التي قامت من قبل.وينسجم التأصيل في موضوعة الدولة مع التأصيل الفكري والفقهي للعمل السياسي والتنظيمي والجهادي لحزب الدعوة نفسه؛ لأنه ليس كالحركات النضالية السياسية الشيعية التي انبثقت لمواجهة ظرف معين.

حركة المختار الثقفي
وإذا أردنا أن نكون أكثر واقعية؛ فيجب أن نذعن الى حقيقة تاريخية مهمة؛ تتمثل في السبق المستمر للنخب السنية في تحقيق الإنجازات الفكرية والسياسية والميدانية لمصلحة الواقع السني، وتعقبها النخب الشيعية في التشبه بهذا الانجاز؛ لتحقيق مصالح للواقع الشيعي، فقد حاولت الحكومات الثورية والسلطانية الشيعية التأسيس لتقاليد وسلوكيات نضالية شيعية، تحفظ للواقع الشيعي حقوقه وبقاءه؛ وإن كانت مستقلة نسبياً عن الخط الخاص للشرعية الدينية؛ وهو ما حصل - ابتداء - مع حركة المختار بن يوسف الثقفي، الذي كان مؤسساً لأول تحرك ثوري وسياسي وعسكري شيعي؛ مستقل نسبياً عن الخط الخاص للشرعية الدينية الشيعية آنذاك متمثلة بالإمام علي بن الحسين السجاد، ومؤسساً لأول سلوك سلطاني في التاريخ الشيعي، واقتفت بعض النخب السياسية والثورية الشيعية بعد ذلك أثر حركة المختار؛ لضمان مصالح الطائفة وحقوقها؛ عبر الثورات والجيوب الحكومية والحركات السياسية المجتمعية.

الحكومة السلطانية الشيعية
ثم تطور الأمر الى التشبه بالحكومات السلطانية السنية؛ وهو ما بدأه العلويون في شمال ايران والحمدانيون في شمال العراق وبلاد الشام، ثم الأدارسة والفاطميون والبويهيون والصفويون. وحيال ذلك اضطر الفقهاء الشيعة الى منح الشرعية لهذه الحركات الثورية والحكومات السلطانية التي لا تستند في أساس حاكميتها الى الفقه السياسي الإسلامي بصيغته اللصيقة بموروث أهل البيت (ع)، وكان الهدف من كل ذلك حماية المجتمعات الشيعية من الاستهداف والاستئصال والمذابح الجماعية والتهجير والتهميش والتمييز الطائفي الذي تتعرض له من الحكومات السنية والفقهاء
السنة، وكذلك فسح المجال أمام العقيدة الإسلامية الشيعية للتحرك بحرية؛ بمعزل عن دعوات التكفير والإقصاء والنبذ الذي تتعرض له باستمرار.

إبادة جماعية
وهكذا أصبح للنخب الشيعية فقه سلطاني تتحرك في إطاره، أسوة بالنخب السنية، وأصبح للحكومات الشيعية منصب (شيخ الإسلام) أسوة بالحكومات السنية؛ لمواجهة قوة القهر العسكرية والسياسية؛ بقوة دفاعية تعادلها، ولمواجهة سلطة الفتوى؛ بسلطة أخرى توازيها؛ وإلّا فالإبقاء على الحال كما كان عليه في عصر الدولة الأموية والفترات الأطول من عصر الدولتين العباسية والعثمانية؛ اي قوة وسلطة مهاجمة من جهة، وبيئة مهمشة مدافعة من جهة أخرى؛ سيؤدي بالمجتمعات الشيعية الى الاندثار والإبادة، أو اللجوء الى الغابات والجبال والقلاع والسواحل، وبالتالي الابتعاد عن أصول المعتقد وتبني معتقدات دخيلة، كما حصل مع المجتمعات الشيعية في شمال لبنان وغرب وشمال سوريا وشمال العراق وجنوب تركيا وشرق البانيا وكوسوفو، الذين يعرفون بـ”العلويين”، وهم بالأساس شيعة إماميون إثنا عشريون، وعددهم اليوم أكثر من خمسين مليون نسمة؛ وذلك لعدم وجود سلطة تحميهم في مقابل الإبادة الأموية والقمع العباسي والبطش السلجوقي والأيوبي والمملوكي والعثماني، وهو ما حدث بمفارقة أكبر مع عشرات الأسر الشيعية في لبنان وسوريا التي اعتنقت الديانة المسيحية، أو دفعت أولادها الى الاحتماء بالأسر المسيحية؛ تخلصاً من القتل والإبادة الجماعية؛ لأن السلطات العثمانية كانت تحرِّم دم المسيحيين وتعدهم أهل ذمة، بينما تهدر دم الشيعي، وتستبيح ماله وعرضه، ولا تنفعه جزية دينية ولا ضريبة دنيوية.

ثورة العشرين
وفي العصر الحديث ظلّت النخب الشيعية تتمثل النخب السنية في حراكها الميداني، فانتمى بعضها الى الواقع الأوروبي في تبني القوانين الوضعية والدساتير الزمنية، كما حدث مع النخب الإيرانية خلال “ثورة المشروطة”، أو تقتفي أثر الإسلامويين السنة في التبعية للدولة العثمانية في صراعها مع الغرب، أو تتجه نحو الحركات القومية المعادية للإنجليز والفرنسيين، أو المتحالفة معها، فكانت النتيجة خسارة الشيعة الكبرى بعد “ثورة العشرين” في العراق، ومجيء حكم طائفي عنصري ينتمي الى الحاضنة السنية العربية التي تبلغ نسبتها ۱۶ بالمئة من نفوس العراق، وأذاق الاكثرية السكانية الشيعية الويلات حتى عام ۲۰۰۳؛ حتى ترحّم الشيعة على طائفية الدولة العثمانية.

خسارات الشيعة
وكذا خسارتهم في لبنان بعد تأسيس لبنان الحديث عام ۱۹۳۴ ومجيء حكم طائفي يقوم على التحالف السياسي بين الأقلية السنية (ركيزة الاحتلال العثماني) والأقلية المارونية (ركيزة الاحتلال الفرنسي) ضد الأكثرية السكانية الشيعية، وكذا الحال في البحرين؛ الذي ظلت تحكمه أسرة تنتمي الى الأقلية السنية التي قوامها ۲۰ بالمئة من نفوس البلاد، فكان الشيعة دائماً ضحايا الوطن والشعارات الوطنية واللحمة الوطنية والحراك القومي والأممي والثورات التحررية والصدام بالاستعمار والمحتل؛ تمسكاً بالموازين الدينية والمعايير الوطنية والانفعالات الإنسانية؛ الذي يعبرون عنه بالتكليف الشرعي والانتماء الوطني والشعور القومي؛ دون أن يفكروا بواقعية ببناء حاضرهم ومستقبل أولادهم ومجتمعاتهم، أو بمرحلة استلام السلطة كنتيجة لمرحلة العمل النضالي.

النخبة السنية
بينما تضع النخبة السنية عينها على السلطة قبل البدء بأي تحرك وطني وديني وقومي وتحرري، وبالتالي؛ عندما ينجلي غبار المعارك وتحين لحظة السلطة؛ يجد الشيعة أنفسهم خارج اللعبة، ويتحولون بالتدريج الى معارضة وأٌقلية سياسية معزولة، وما يتبع ذلك من تهميش وتمييز طائفي وتهجير وإسقاط للجنسية وملاحقة، وصولاً الى المقابر الجماعية؛ على الرغم من أنهم الأكثرية السكانية في العراق ولبنان والبحرين، وفي المقابل ترفع سلطة الأقلية الطائفية شعارات الوطن والوطنية واللحمة الاجتماعية والأهداف الدينية والالتزام القومي والتهديد الخارجي والتآمر الاستعماري؛ لاستغفال القواعد الشعبية وتسويغ أية ممارسات قمعية وتمييزية تقوم بها وضمان بقائها في السلطة.


رمز الوثيقة: 96151

رابط المقال: http://siasatrooz.ir/vdcdff0n.yt09k6242y.html

سياسة روز
  http://siasatrooz.ir