دور الشعر والشعراء في صناعة المستقبل

4 Nov 2011 ساعة 18:23

كان للشعر منذ القدم مكانة فريدة بين العرب وكان الشعراء يعدون ألسنة قبائلهم وذوي الرأي فيهم، يندبونهم عند الملمات ويستعينون بهم وقت الشدائد ويلجأون إليهم في الحروب وكانت العرب تنشد الشعر للغناء بمكارم أخلاقها وطيب أعراقها وذكر أيامها الصالحة وأوطانها النازحة وفرسانها الأمجاد وسماتها الأجواد، لتهزّ نفوسها إلى الكرم وتدل أبناءها على حسن الشيّم، وبما أن الحياة العربية كانت قائمة على نظام القبيلة التي تمثل الوحدة السياسية والإجتماعية والإقتصادية، لذلك إقتضى هذا النظام إلى من ينطق باسمه ويحميه، فكان الشاعر هو الذي يسجل مآثر قومه ويذيع مفاخرهم وينشر محامدهم ويخوّف أعداءهم ويخذل خصومهم.


ومن هنا جاءت أهمية الشاعر، الذي كان يعبر عن وجهات نظر قومه بأسلوب شعري تتناقله الرواة في الحياة العربية آنذاك، حيث كانت القبائل تحفظ أشعار شعرائها ويرويها أبناؤها ويدونونها لأجيالهم القادمة، فصارت القبائل تهنئ بعضها بعضا إذا نبغ بينهم شاعر، وكانوا لايهنئون إلا بثلاث: غلام يولد أو شاعر ينبغ أو فرس تنتج، كما من المعروف بأن هذه الثلاث كانت تعد مصادر القوة في الحياة العربية.
كان الشعر ولازال ديوانا لفضائل العرب وسجلا لمفاخرهم ووسيلة لتخليد مآثرهم وكما يقول محمد بن سلام الجمحي:«كان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم، به يأخذون وإليه يصيرون» وكان يعد من أشرف الكلام عندهم وأقدسه حيث قال بن خلدون: (اعلم أن فن الشعر بين الكلام كان شريفا عند العرب، ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم وشاهد ثوابهم وخطأهم وأصلا يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم، وكان رؤساء العرب منافسين فيه وكانوا يقفون بسوق عكاظ لإنشاده وعرض كل واحد منهم ديباجته على فحول الشأن وأهل البصر لتمييز مقدرته حتى إنتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام وموضع حجهم»؛ كما كان للشعر تأثير كبير في نفوس الناس ومشاعرهم، لما يستعمله الشعراء من كلام مؤثر وساحر يترك أثرا بليغا في نفس سامعه، ولهذا عدّوا السحرة في جملة أوئل من كان ينظم الشعر من القدماء، وكان الرجل لايسمّى الكامل إلا إذا كان يكتب ويحسن الرمي ويحسن العلوم ويقول الشعر.
كانت العرب تسمّي الشاعر بالعالم والحكيم كما سُئل كعب الأحبار، يا كعب هل تجد للشعراء ذكراً في التوراة؟ فأجاب كعب: أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل، أناجيلهم في صدورهم، ينطقون بالحكمة ويضربون الأمثال، وهكذا جعل كعب، الأشعار كالأناجيل لقدسيتها.
فمن هذا المنطلق نلاحظ بأن الشعراء منذ القدم كانوا يحملون مسؤوليات قومهم بما لديهم من موهبات، مما جعل منهم واقع الحياة ومعاناة الأمة أن يصبحوا ضميرها وطليعتها النيّرة وأن يحملوا رسالة أنسانية تقدمية حضارية مستقبلية يخوضون من أجلها صراعا مستمرا على جبهات عدة، ويستنهضون من أجل الفوز في ذلك الصراع همماً وطاقات حيوية، وبهذا التفاعل الخلاق مع الواقع المرير والحلم، يسجّلون مواقف ويقدمون تصورات وبدائل في رؤية أو كشف مؤثر وربما مثير، مما يعطيهم أصالة في محليتهم وإنبثاقا منها من جهة، وعمقا وشمولا إنسانيين من جهة أخرى، يجعلانهم حاضرين في وجدان شعوبهم وعصرهم وفي العصور والأجيال القادمة، وبهذه الفاعلية يحملون طاقة على التأثير والتنوير والتحرير والتحريض والتثوير والتغيير، مما يجعلهم دائما مشروع بناء وهاجس إستشراف الإنسانية لآفاق المستقبل.
لقد كافح شعراء العرب الإستعمار منذ إحتلاله البلاد العربية، بكل أجناسه وأشكاله وممارساته الإرهابية من خلال بصيرتهم النافذة في التاريخ وتحررهم من قيود الأنظمة السياسية وإنتمائهم الوحيد لشعوبهم وقيمهم الوطنية والإنسانية والإسلامية، لأن سلطة الخطاب الشعري متجذرة في تاريخنا القومي منذ إن كان الشاعر اللسان العابر والعين الباصرة لأمته، ولذلك طمح الشاعر أن يمثل الضمير العربي بكل آلامه وتطلعاته كي يجمع في نبرة إنسانية بين توقد الشعور التاريخي والرغبة العارمة في مواجهة الواقع المرير وتجاوزه.
فمن هذا المنطلق نلاحظ بأن الوطن العربي المحتل منه وغير المحتل، هو وجع الشاعر الممتد من مشرقه إلى مغربه، خاصة لما حلّ به من معاناة ونكبات في مختلف بقاعه التي لازالت بعضها تنزف وتعاني، وبما فيها فلسطين التي لم يحظ قطر عربي أخر بإهتمام الأدباء العرب مثلما حظيت فلسطين، لما حلّ بها من ويلات ومجازر وتصفيات جراء الإغتصاب والإحتلال الصهيوني لها، وبما أنها كانت ولازالت بضعة من جسد الأمة العربية والإسلامية إن لم نقل أهمها، أخذت تكبر قضيتها يوما تلو يوم، حيث أصبحت أهم القضايا الإسلامية وأشرفها، خاصة مما أفرزته هذه المأساة من أخطار وتداعيات شكلت في حجمها تهديدا مباشرا للأمن العربي والإسلامي ومشروعهما الحضاري.
فمنذ وعد بلفور وماتلاه من وعود واختراقات صهيو- أمريكية دخل الشعر العربي في الصراع والمواجهة، مستشعرا بحجم المسؤولية، حيال الواقع العربي المأزوم، ومن خلال معايشة الأدباء لما يجري من أحداث ووقائع على الساحة العربية عموما والفلسطينية خصوصا، إهتز وجدانهم وجعلهم يشعرون بمحنة الإنسان والوطن والأمة، مما دفعهم إلى إتخاذ مواقف عديدة وتصورات مثيرة أحيانا، تبعا لمناخهم النفسي والثقافي ودرجة إنتمائهم القومي فضلا عن إيقاع العصر وتحولاته.
فمن هنا يمكننا القول بأن تصوير الواقع العربي ومرارة الحياة العربية في قصائد الشعراء العرب من المغرب العربي مرورا بفلسطين إلى مشرقه، يصدرعن إحساس الشعراء العميق بالواقع المرير، لأن الشاعر يرى معاناة الحياة العربية بما فيها الإنحطاط الثقافي والإنحراف الفكري والتأخر الحضاري والزيف السياسي والتشتت الإجتماعي، ليست إلا قضية حيات أو موت للأمة! ولذلك لم يكتف الشاعر العربي في طريقه لإستكمال مشروعه المستقبلي بالتصورات وإتخاذ المواقف الكلامية، بل يدخل صلب الصراع ويواجه ثقافة التضليل والتشويه والتخدير والتحميق والتحمير التي تقوم بترويجها مختلف الأنظمة السياسية من المتغطرسة الغربية إلى المستبدة الشرقية بشكل أو بآخر، لأنه يعي وعيا قوميا وحضاريا مما يجعله أن يطمح للكشف عن حقيقة معاناة الأمة العربية أين ما يقطن أبنائها وفي أي ظرف يعيشون.
إن الشاعر العربي بما أنه يشعر بحجم المسؤولية تجاه أمته، ويرى الكوارث السياسية كيف تجتاح بلاده طولا وعرضا ويمينا وشمالا، فمن الطبيعي أن يقوم بمواجهة التحديات خاصة لأنه يرى أن وجود الأنظمة السياسية المزيفة الشرقية أو المنتمية للغرب تشكل خطرا محدقا وجسيما على حضارته العربية والإسلامية مما يجعله أن يباشر محتجا بتوجيه الإنتقادات للزعماء والوجوه السياسية كاشفا عن وجوههم الأقنعة، متعريا سلوكهم المنحط الذي أصيبت الأمة العربية والإسلامية إثره بخيبات أمل لا تعد ولاتحصى.
إن الشاعر عندما يشعر بضياع الوطن وإستباحة المقدسات يسعى أن يكون أنفذ بصيرة وأكثر واقعية وإلتصاقا بهمّ الأمة، إذ يستوعب معطيات الواقع ويتوغل في أغواره وخفاياه ليستخلص العبر والنتائج التي توحي بالكارثة، وهي نابعة من رؤية الشاعر للماضي والحاضر وإستشرافه على المستقبل.
وأخيرا وليس آخرا يمكننا القول بأن الشاعر العربي يتعاطى مع حال الأمة بحساسية مفرطة وشعور عميق بانحطاط الواقع الذي بدأ يتغير مؤخرا بفضل الثورات التي إجتاحت البلاد العربية، لأنه لديه هدف واحد وهو التنبيه لخطورة ما يجري في الشارع العربي من إختراقات وتدخلات وإلتفافات من جانب القوى الخارجية، كما الحال بالنسبة لإنحرافات بعض القوى الوطنية التي تعاني منها الأمة، مما يجعله أن يصرخ متكاتفا مع كل مواطن عربي في ساحات التحرير بأعلى صوته، ولكن بفنه وأسلوبه الخاص، فاضحا كل المؤامرات التي يتم تنسيقها خلف الكواليس السياسية بما فيها الدينية الدنيوية ويطالب بالحرية والكرامة الإنسانية للشعوب وحقها في تقرير مصيرها، رافضا كل إتفاقيات بيع الوطن وإستعباد الشعوب وإستحمارها وإستثمارها من جديد تحت المسمّيات المزيّفة الشرقية والغربية.

محمد امين بني تميم


رمز الوثيقة: 69199

رابط المقال: http://siasatrooz.ir/vdcf1ydv.w6d11aikiw.html

سياسة روز
  http://siasatrooz.ir