الأزمة الإيرانية البريطانية إلي أين ؟؟

11 Dec 2011 ساعة 17:19

لا يصدقن أحد أن الأزمة الحالية بين لندن وطهران وليدة إقتحام عدد من الطلاب للإيرانين للسفارة البريطانية في العاصمة الإيرانية !! ولا يصدقن أحد أنها – أي الأزمة وحالة التوتر - ستكون الأخيرة، لأن الجانب البريطاني بمواقفه المؤيدة لسياسات واشنطن المعادية للشعب الإيراني دائماً ما يثير إشمئزاز الشعب الإيراني من ناحية ويعمل علي تصعيد حماس الشريحة الواعية من طلابه من ناحية أخري إلي القيام بتصرفات قد نعترض عليها وربما ندينها


 
الدكتور حسن عبد ربه المصري *

لا يصدقن أحد أن الأزمة الحالية بين لندن وطهران وليدة إقتحام عدد من الطلاب للإيرانين للسفارة البريطانية في شمال العاصمة الإيرانية !! ولا يصدقن أحد أنها – أي الأزمة وحالة التوتر - ستكون الأخيرة ، لأن الجانب البريطاني بمواقفه المؤيدة لسياسات واشنطن المعادية للشعب الإيراني دائماً ما يثير إشمئزاز الشعب الإيراني من ناحية ويعمل علي تصعيد حماس الشريحة الواعية من طلابه من ناحية أخري إلي القيام بتصرفات قد نعترض عليها وربما ندينها .. ولكنها تأتي في نهاية المطاف معبرة عن موقف إيراني يشجب سياسات الغرب بصفة عامة والموقف البريطاني علي وجه الخصوص تجاه نهج طهران السياسي خاصة فيما يتعلق بحقوقها السيادية داخلياً وخارجياً ..

التطور الأخير للأحداث ..
الذي بدأ بضغوط بريطانية / غربية لفرض مزيد من العقوبات علي الجمهورية الإيرانية بهدف وقف برنامجها النووي السلمي .. وتصاعد عدة درجات بعد قرار طرد السفير البريطاني في طهران ، ذلك التصاعد الذي فتح المجال للتنفيس عن كم هائل من الغضب الشعبي الذي عبر عنه الطلاب – ٥٠ طالب – بإقتحامهم بناية السفارة البريطانية وبعض مقار إقامة عدد من العاملين بها .. والذي جاءت علي خلفيته ردة الفعل البريطانية بطرد الدبلوماسيين الإيرانيين من لندن مع الإحتفاظ بالعلاقات بين الطرفين في أدني مستوياتها ..
هذا التطور رصدته وسائل الإعلام البريطانية التى أجمعت علي أن ترك وزير الخارجية البريطانية وليم هيج الباب مفتوحاً مع طهران يعني كما قالت صحيفة الإندبندنت – ٣٠ نوفمبر – يعني إتاحة الفرصة للجانبين لكي يوفقاً معاً في الوقت المناسب " مسلسل التردي في العلاقات إلي ما هو أسوء من ذلك " .. خاصة وأن العلاقات بينهما ظلت علي توترها منذ قيام الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩ ، بل هناك من يري أنها تراجعت كثيراً بعد حادث إلقاء السلطات الإيرانية المختصة القبض عام ٢٠٠٧ علي مجموعة من البحارة البريطانيون الذين " تواجدوا في المياه الإقليمية بطريقة غير مشروعة " كما قالت المصادر الإيرانية في حينه ..
لا ننكر أن إقتحام المقار الدبلوماسية يتعارض مع القانون الدولي .. ونتوافق في الرأي مع بعض الدول التى انكرت علي الطلاب الإيرانيون اقدامهم علي هذه الخطوة ..
لكننا نؤكد أن القانون الدولي كثيراً ما تناسي الغضب الشعبي حيال العديد من مواده الجامدة التى تفتقد البعد الانساني .. فهو وإن كان يُحمل البلد المضيف مسئولية حماية مقار الدول الأجنبية والمنظمات الإقليمية والدولية المقامة علي أرضه ، إلا أنه يٌهمل المشاعر الإنسانية ومبررات غضب وثورة الحراك الإجتماعي الذي يعاني من الكيل بمكايلين ويشعر بالقهر من جراء سياسات الدول الغربية العنصرية المعادية ..

بهذه النظرة الواقعية المتوازنة يجب أن ننظر لحالة التوتر الحالية بين طهران و لندن .. وبهذه النظرة أيضاً نقول أن الكثير من وسائل الإعلام البريطانية وإن كانت قد أدانت الحدث ، إلا أنها أجمعت علي أن الجهات الأمنية الإيرانية لم تخطط له وإن كان البعض منها مال إلي انها - أي هذه الجهات - أغمضت عينيها عما جري !! لهذا طالبت غالبيتها بقبول الإعتذار الإيراني " الذي يجب أن يصحبه تعويض عن التلفيات المادية التى أصابت كافة المقار ، بالإضافة إلي الإطلاع علي نتائج التحقيق الذي وعدت طهران بإجراءه " ..

الأهم عندي ..
أن أكثر من صحيفة بريطانية في مقدمتها الفينانشيال تايمز – ١ ديسمبر – حذرت ليس فقط الحكومة البريطانية ولكن الغرب كله من " النتائج الكارثية " التى يمكن أن تترتب علي مواصلة التصعيد " .. وكررت مرة أخري جدوي " تبني إستراتيجيات تقوم علي مواصلة تنفيذ ضغوط دبلوماسية وسياسية وإقتصادية " .. لأن أساليب المواجهة العنيفة " والضربات العسكرية " لن توقف نشاطات إيران النووية ، وربما تؤدي إلي حرب إقليمية " تضر أبلغ الضرر بالمصالح البريطانية والغربية في المنطقة برمتها " ..
كما أن هذا الكثير حذر بقوة من أن تنتهز حكومة إسرائيل فرصة وأبعاد التوتر بين الطرفين الغربي بقيادة بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والإيراني ، لكي تشن هجوماً ضد الشعب الإيراني ومنشآته الحيوية وبنيته الأساسية الحربية والمدينة بغرض الإنتقام من مواقف الجمهورية اسلامية الواقفةن لها بالمرصاد علي كافة المستويات .. لأن مثل هذه العمليات الاستفزازية لا تأتي بنتائج إيجابية في أغلب الأحيان ، وإنما دائماً ما تؤدي إلي دمار وخراب علي أطراف كثيرة ممن ليس لهم دور في المواجهات بين الأطراف المتنازعة ..
هذا بينما ركزت بعض تعليقات الخبراء والمختصون علي حجم الخسائر التى ستصيب بكل مباشر المصالح البريطانية الحيوية في الشرق الاوسط بعامة ومع إيران بشكل خاص .. لأن الهجوم علي بناية السفارة البريطانية وبعض مقار دبلوماسييها في طهران " لم يأت من فراغ " بل أتي - في رأيهم - نتيجة " تفجر " مجموعة من التراكمات بالغة التعقيد بسبب تاريخ " بريطانيا الطويل المعادي للشعب الإيراني منذ أكثر من ستة عقود من الزمان " .. وأيضا بسبب تحالف لندن " غير المبرر " مع أمريكا " الشيطان الأكبر " الذي دأب علي إتخاذ سياسات عنصرية معادية لطهران منذ عام ١٩٧٩ ..

ما بين الإدانات والحقوق الشعبية ..
إدانات الحركة الطلابية – علي قلتها - التى صدرت في حق الجمهورية الإسلامية تناست ربما دون قصد مباشر تاريخ السياسات الغربية المعادية للشعب الإيراني وثورته .. برغم أن بعضها ( موسكو علي سبيل المثال لا الحصر ) ظل يعاني منذ نهاية الحرب البادرة وحتى اليوم من سياسات واشنطن الإحتكارية علي المستوي الإقتصادي !! وسياساتها ثنائية المكيال علي المستوي السياسي !! وبرامجها التى تخطط لفرض العولمة والهيمنة علي المستوي التقني !! ..

هذه الادانات علي قلتها كان لها موقف مغاير من إنتفاضات المجتمعات العالمية التى ثارت مؤخراً علي مستوي أكثر من مائة وخمسون مدينة حول العالم – من بينها أكثر من ستون مدينة أمريكية وأوربية - ضد الإحتكار الإقتصادي الذي تمارسه الشركات الغربية وما يعكسه ذلك من أضرار مادية ومعنوية يعاني منها أفراد المجتمع في تلك المدن إلي الدرجة التى جعلت أبناء ولاية لاس فيجاس الأمريكية يطالبون باحتلال شوارع المال في الولايات الأمريكية ..

هذا الموقف المذبذب ..
يجعلنا نتردد كثير في تقييم المواقف الإجمالية لأصحاب الإدانات ، حيال حقوق الشعوب التى تصر علي الحفاظ علي سيادتها كاملة ، وتحارب بكل قوتها حتى لا ينال منها الآخرون ..
ويجعلنا ونحن نحترم مواقفها الشاجبة لمثل هذا الحراك الاجتماعي الشعبي ، نُذكرها بأنها قامت بمثل هذه الحركات النضالية من قبل عندما تعرضت شعوبها علي يد القوي الباغية الشيطانية لسياسات عنصرية مشابهة ..
ويجعلنا نطالب بأن يعاد النظر في مواد القانون الدولي خاصة فيما يتعلق بحق الشعوب في التعبير عن غضبها تجاه سياسات القوي الدولية التى تضع نفسها في مكانة منفردة تعامل من خلالها شعوب العالم بلا رحمة ولا إنسانية وتخطط لسلبها حقوقها المشروعة وسيادتها وفي كثير من الأحيان تسرق ثرواتها ..
ويجعلنا نقول للغرب ممثلاً في عواصمه الأوربية المؤيدة لسياسات واشنطن العدوانية أن محاولاته الساعية لتعطيل قوي التحالف بين طهران ودمشق بسبب المشاكل القائمة حالياً بين القيادة والثورة الشعبية في سوريا ، لن يؤتي بثمارها في القريب العاجل .. وأن اللعب علي تفكيك عري التوافق والتنسيق الإستراتيجي بين الطرفين ، ليس في مصلحة إستقرار توجهاته وقضاياه الحيوية في المنطقة ، بل من المؤكد أن العكس هو الصحيح خاصة فيما يتعلق بملف السلام العربي الإسرائيلي ..
ونحن وإن كنا نؤكد شجبنا للإعتداء علي المقار الدبلوماسية في العواصم المضيفة لها ، إلا أننا في نفس الوقت ننصح النخب القيادية الإيرانية ومن بينها القيادات الطلابية بالتريث كثيراً قبل تنفيذ أفكار الاقتحام هذه .. لأن هناك بدائل لها أكثر جدوي ، مثل
محاصرتها بالشعارات التى تعكس إرادة الشعب
فضح سياساتها علي مستوي الإعلام الدولي
مقاطعة مندوبيها علي كافة المستويات
القيام بتظاهرات سلمية شبه مستديمة بالقرب منها
الدعوة إلي عقد مؤتمرات طلابية عالمية للتعريف بسياساتها العنصرية
التنسيق مع الحركات الطلابية الأخري علي مستوي العالم لشجب توجهاتها
وغير ذلك كثير ، قد نتعرض لها في مقال قادم ان شاء الله ..


* استشاري إعلامي مقيم في بريطانيا ..


رمز الوثيقة: 69956

رابط المقال: http://siasatrooz.ir/vdcg3y93.ak9yn4r,ra.html

سياسة روز
  http://siasatrooz.ir