الحركات الإسلاميةوالمشاركة في الحكم

8 Aug 2015 ساعة 11:29


نوري كامل المالكي أمين عام حزب الدعوة الإسلامية بسم الله الرحمن الرحيم مدخل بعد سقوط نظام البعث العراقي في عام 2003 م، ودخول الحركات الإسلامية معترك المشاركة في بناء العراق الجديد وإدارة الدولة العراقية وقيادة حكومته لأكثر من دورة؛ برزت إشكاليتان أساسيتان مرتبطتان بهذه المشاركة: الأولى: إشكالية نظرية، و تتمثل في مشاركة الحركات الإسلامية وأعضائها في إدارة دولة غير إسلامية وفي قيادة حكومتها ومؤسساتها الرسمية. وهو مايبدو تعارضاً مع أهداف الإسلاميين الأساسية في إقامة دولة إسلامية وإدارتها بما يحقق أهداف الشريعة الإسلامية. الثانية: إشكالية تطبيقية؛ وتتمثل في طبيعة عمل الإسلاميين وإدارتهم وسلوكياتهم؛ وهم في مواقع السلطة والحكم، وماتخلل ذلك من بعض الإرباك في الرؤية،وخلل في بعض السلوكيات والتوجهات لدى بعضهم؛ وهو مايتعارض مع الثوابت الفكرية والثقافة السياسية والإيمانية للإسلام. ومن هنا؛ برزت الحاجة الى تكييفات فكرية وفقهية تعمل على تفكيك هذه الإشكاليات وتعالجها، وتنظِّر الى الجانب التطبيقي وتصلحه وترفع ماشابه من سلبيات. وهو ماسبق أن دعونا اليه في مقال (( "الدعوة" والقدرة المستمرة على المراجعة )) ودراسة (( العودة الى "الدعوة" )). أي ان مانطرحه هنا إنما يدخل في إطار دعوة المراجعة والمحاسبة والتجديد والتأصيل وإعادة البناءالتي نطمح اليها. وهو موضوع لايختص بفكر حزب الدعوة الإسلاميةومجالات حركته وحسب؛ بل تتسع دائرته لكل الحركات الإسلامية؛ سواء العراقية وغير العراقية؛ لأنها تشترك في الثوابت العامة نفسها وتعيش ذات الإشكاليات. وليس الهدف من هذه الدراسة؛ التنظيرلمفهوم الدولة والحكم أو بحث نظرية الدولة والحكم في الإسلامأو التأصيل لعلاقة الدين بالدولة والحكم، ولا الدخول في جدل نظري مع الآخر الفكري في هذا المجال؛ لأن هذه المفاهيم سبق للمفكرين الإسلاميين أن نظّروا لها واشبعوها بحثاّ؛ بل مايهمنا هو الجانب النظري والتطبيقي المرتبط بمشاركة الحركات الإسلامية بصفتها الايديولوجية، ومشاركة أعضائها بصفتهم الكتلة المؤمنة الصالحة، ومشاركة الإسلامي بصفته نموذج الشخصية الإسلامية الملتزمة؛ في إدارة الدولة العراقية ونظامها وحكومتها بعد عام 2003 م؛ بإعتبارها دولة غير إسلامية على وفق المعايير العقيدية والفقهية التي حددتها الحركات الإسلامية في أدبياتها. وسنعالج الإشكاليتين المذكورتين بإيجاز؛ بالإستيحاء من الثوابت الإسلامية والفكر الإسلامي الحركي والثقافة السياسية والإيمانية للحركات الإسلامية؛ ولاسيما فكر حزب الدعوة الإسلامية وثقافته بكل عناوينها. وكما أشرنا في كتاباتنا السابقة؛ فإن هذه الدراسة والدراسات التي سنطرحها مستقبلاً؛ هي أوراق للتداول والحوار بين الإسلاميين عموماً و الدعاة خصوصاً. ونأمل من خلالها تنشيط الواقع التنظيري في أوساط الدعاة، وإيجاد الحلول والمعالجات المناسبة لمايعترضالحركات الإسلامية من مشاكل في البعدين النظري والعملي. تجارب الإسلاميين المعاصرة في ممارسة الحكم لقد دخل الإسلاميون ( سنة وشيعة ) معترك المشاركة في إدارة الدولة الحديثة أو قيادتها أو المشاركة في برلماناتها وحكوماتها منذ العقود الأخيرة للقرن العشرين الماضي. وكان لكل جماعة إسلامية قراءتها الفكرية وقواعدها الفقهية في هذا المجال. ولم يكن دخول الحركات الإسلامية العراقية هذا المعترك بدعةً في الشكل والمضمون؛ وإنما شكّل تجربة نوعية مهمة جديدة؛ تضاف الى التجارب الأخرى للإسلاميين، وجميعها تجارب غنية جديرة بالدراسة. ويمكننا إستثمار الإيجابيات والإضافات النظرية والعملية لهذه التجارب، وتجنب سلبياتها ومساوئها؛ لاسيما و أن معظمها يسبق التجربة العراقية زماناً، وأنها قريبة منها جغرافيةً وبيئةً إجتماعية؛ وإن كانت ظروف العراق مختلفة نسبياً عن البلدان التي وجدت فيها هذه التجارب. ومن أهمها: 1- تجربة خط الإمام الخميني في إيران: إستطاع هذا الخط تفجير ثورة شعبية أطاحت بالحكم الملكي، ثم تأسيس دولة إسلامية حديثة،وحكومة إسلامية في شكلها ومضمونها؛ عبر الآليات الديمقراطية المدنية المقبولة شرعاً؛ فجاءت تسميتهابـ (( الجمهورية الإسلامية))؛ وهي التسميةالتي تلخص نظريتها في التطبيق السياسي. وهي الدولة الوحيدة التي يقودها ويترأسها فقيه؛ على وفق مبدإ (( ولاية الفقيه )). ولايشترك العلمانيون في حكمها وإدارتها، ولاتصدر عنها تشريعات غير إسلامية. ولكي لايخرج خط الإمام عن إطار الدولة النمطية التي يفرضها القانون الدولي؛ فقد إضطر الى تكييف الوضع القانوني للدولة الإيرانية مع مضامين القانون الدولي والقانون الدستوري الحديث. كما استثمر وسائل الديمقراطيات التقليدية في صياغة نظامها السياسي؛ فكانت دولة الأمة الموحّدة سياسياً وإدارياً، وليست الموحّدة عقائدياً، ودولة المواطنة القانونية، وليست الرعوية؛ وبذلك فهي تستند الى رأي الشعب في إختيار نظامه السياسي وممثليه؛ بدءاً بالفقيه نفسه وحتى أعضاء المجالس البلدية. وهو ما لم يكن وارداً في الموروث الفقهي السياسي الإسلامي في مرحلة الغيبة الكبرى. ومن هنا فهي تجربة نوعية ورائدة في مجال الإجتهاد والتجديد والتأصيل؛ لبناء دولة ونظام حديثين، مع التمسك بالثوابت التي تفرضها النظرية السياسية الإسلامية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام )؛ وفقاً لمبدإ ولاية الفقيه في عصر الغيبة. وقد إنقسم خط الإمام سياسياً الى عدة منظومات؛ أطلقت عليها تسميات اليسار الإسلامي واليمين أو المحافظين والإصلاحيين والمعتدلين، وغيرها من التسميات المجازية؛ ولكنها ظلت تمارس العمل السياسي وتتداول السلطة في ظل الثوابت نفسها. وقد افرزت هذه التجربة ـ تبعا لحاجتها الى التأصيل في جميع مجالات عمل الدولة وقيادة المجتمع وتبعاً لتعدد الرؤى السياسية والفكرية فيها ـ نتاجاً فكرياً وفقهياً وقانونياً مهماً؛ جديراً بالإطلاع، و يمكن لكل الحركات الإسلاميةوالتجارب الأخرى دراسته وإستثماره. 2- تجربة الجبهة الإسلامية القومية في السودان: وهي تجربة ماعُرف بحكومة الإنقاذ؛ إذ قامت الجبهة الإسلامية القومية ـ التي تنحدر من جماعة الاخوان المسلمين ـ بإنقلاب عسكري مكّنها من تأسيس دولة مركبة ( إسلامية علمانية مدنية)منحازة الى الدين، وحكومة إسلامية بمشاركة علمانية. ولكنها لم تخرج عن الدول والحكومات النمطية الحديثة. فهي كدولة لاتختلف عن أية دولة مدنية أخرى. أما كحكومة؛ فإن غالبية أعضائها هم من الإسلاميين، وكذا الحال مع أعضاء البرلمان. ومن هنا فإن غالبية تشريعاتها ظلت منسجمة مع الشريعة الإسلامية. ولكن بعد دخول الجنوبيين المسيحيين ـ قبل إنفصالهم في دولة مستقلة ـ كشركاء في إعادة بناء ايديولوجيا الدولة والحكومة وإدارتهما؛ فقد حدث تراجع مهم في التوجهات الإسلامية للدولة السودانية وحكومتها. أما على مستوى النتاج الفكري السياسي؛ فقد ترشح عن حركة الإسلاميين السودانيين الحاكمين أفكار وسلوكيات مهمة تمزج بين فكر جماعة الإخوان المسلمين والواقع السوداني المعقّد ديمغرافياً ومذهبياً. وهو ماتسبب لاحقا في إنشقاق الجبهة الإسلامية القومية الحاكمة، بعد سلسلة من المعالجات ذات البعد الوطني؛ والتي تمخض عنها تاسيس مظلة سياسية عليا حاكمة جديدة تحت عنوان ((المؤتمر الوطني)) الذي لايزال يمثل الحزب الحاكم، ثم تشكيل (( المؤتمر الشعبي)) الذي يمثل الشق الثاني في الحركة الإسلامية السودانية، وأصبح يمثل المعارضة الإسلامية الوطنية للحزب الحاكم. أي أن كلا الحزب الحاكم والمعارضة المنشقة عنه ينتميان الى الفكر والتاريخ والجماعة الإسلامية نفسها. 3- تجربة حزب الله في لبنان: على خلاف التجربتين السابقتين ( النظامين السياسيين في إيران والسودان) اللتين كان الإسلاميون وراء تأسيسهما و تشكيل حكومتيهما وتدوين دستوريهما؛ فإن النظام السياسي الذي يمارس فيه حزب الله تجربته هوسابق على تأسيس الحزب،و تقتصر مشاركته فيه على مشاركة أعضائه في عضوية البرلمان والحكومة؛ وبعض المؤسسات الرسمية، وقد وصلوا الى هذه المواقع عبر الممارسة الديمقراطية المدنية والمحاصصة الطائفية. و الدولة اللبنانية هي دولة علمانية، محايدة تجاه الدين، وحكومتها علمانية، و قيادتا الدولة والحكومة علمانيتين أيضاً، ولكن يشارك الإسلاميون من حزب الله وغيره في إدارة مؤسساتهما. وبالتالي فإن هذه المشاركة هي ممارسة للسلطة، ولا تنطوي على مساهمات فكرية تؤسس للدولة والنظام السياسي. ولكن أصل المشاركة خضعت منذ البداية لتكييفات فكرية وفقهية وسياسية؛ بالنظر لإنتماء حزب الله ـ عقيدياً وفقهياً ـ لمبدإ ولاية الفقيه؛ وهو ماكان بحاجة لتأصيل فقهي ينسجم كلياً مع هذا المبدإ، وتكييف سياسي ينسجم مع الواقع الوطني اللبناني. 4- تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا: وهي تجربة إشكالية متميزة؛ بالنظر لتفرّد هذا الحزب ـ الذي ينحدر من جماعة النور الإسلامية وينتمي ايديولوجيا وتاريخيا الى حزب السلامة ثم حزب الرفاه ثم حزب الفضيلة ـ بقيادةحكومة علمانية غير متصالحة مع الدين ويشارك فيها علمانيون أيضاً؛ في ظل دولة علمانية معادية للدين في تكوينها ومسارها التاريخي وقوانينها. ولعل هذا التجربة في المشاركة هي من أكثر التجارب التي تحتاج الى تأصيل فكري وفقهي من جهة، والى سلوك سياسي براغماتي من جهة أخرى؛ حتى يمكن للحزب من خلالهما إيجاد تعايش بين حالتين فكريتين متضادتين. ولكن خصوم حزب العدالة من الإسلاميين الأتراك يتهمونه بالخروج على الحالة الإسلامية؛ الى المستوى الذي جعل حزب السعادة (الإسلامي) الذي ينحدر من الأصول نفسها؛ يذهب الى أن حزب العدالة والتنمية هو حزب علماني فكراً وسلوكاً؛ وإن تمسكت قيادته وأعضاءه ببعض المظاهر الدينية. ومن هنا فإن كلا الحزب الحاكم والحزب المعارض الأقوى ينتميان الى المدرسة الفكرية والتنظيمية نفسها. 5- تجربة جماعة الاخوان المسلمين في مصر: وهي تجربة شبيهة بتجربة حزب العدالة والتنمية التركي، ولكنها أقل إشكالية؛ فقد وصلت الجماعة ( ممثلة بواجهتها السياسية حزب الحرية والعدالة )الى الحكم عبر الممارسة الديمقراطية المدنية.ولم تكن هناك صعوبة نظرية كبيرة في التعايش بين الدولة المصرية والحكومة المركّبة التي شكّلتهاجماعة الاخوان المسلمين بقيادتهم وبمشاركة بعض العلمانيين؛ لأن الدولة المصرية ـ بالأساس ـ ليست دولة علمانية معادية للدين؛ بل دولة مركبة متصالحة مع الدين. ولعل جماعة الاخوان لم تكن بحاجة الى تنظير كبير في هذا المجال؛ لأن أعضاء جماعة الأخوان ظلوا يشاركون بصفتهم الإسلامية في البرلمان المصري خلال العقود المنصرمة في ظل دولة علمانية و حكومة علمانية. بيد أن الفترة القصيرة التي قضتها جماعة الأخوان المسلمين في الحكم والتموجات السياسية الهائلة التي تخللتها ثم اطاحت بها؛ لم تسمح بظهور نتاجات فكرية تأصيلية أو سلوك سياسي ثابت يمكن من خلاله تقويم تجربتها تقويما موضوعياً. 6- تجربة حزب الدعوة الإسلامية في العراق: وهي الأخرى تجربة متميزة وإشكالية؛ لاسيما وإن حزب الدعوة الإسلامية ينتمي الى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام ) التي تتميز في عدم تساهلها عقائدياً وفقهياً في موضوع الحكم وممارسة السلطة. فكانت هذه التجربة بعد بدئها عام 2003 م بحاجة الى مزيدالتأصيل الفكري و الفقهي من جهة، وإذن الفقيه الجامع لشرائط الفقاهة والعدالة والكفاءة من جهة أخرى. فقد شارك حزب الدعوة الإسلامية في إدارة دولة مركّبة متصالحة مع الدين، وفي قيادة حكومة مركّبة بمشاركة إسلاميينوعلمانيين، وفي عضوية برلمان خليط من الإسلاميين والعلمانيين، وفي ظل دستور مركّب (إسلامي ـ علماني ). وبالنظر لأهمية تجربة حزب الدعوة الإسلامية؛ كأنموذج لممارسة الإسلاميين الحكم في إطار دولة غير إسلامية، وكوننا جزءأ منها؛ فإننا بحاجة الىدراستها وتقويمها فكرياً وسلوكياً، والخروج بالنتائج التي يمكن من خلالها تبيين مواطن الخلل؛ فنقوم بمعالجتها وإصلاحها، أو مواطن القوة فيها؛ فنقوم بتكريسها. ومن هنا سنفرد معظم الجزء التالي من الدراسة لهذه التجربة. الدولة في نظرية " الدعوة " نشير إبتداءً الى أن العلاقة بين "الدعوة" والدولة الإسلامية( بنظريتها العقائدية الأصيلة) ليست علاقة إشكالية، كما لايمثل المفهومان ثنائية في النظرية السياسية الإسلامية؛ بل إنهما مفهومان متداخلان ومتكاملان، فالدولة هي أداة "الدعوة" في تطبيق غايات الإسلام وأهداف الشريعة الإسلامية، و"الدعوة" هي الفلسفة التي تقوم عليها الدولة في تكوينها العقائدي وبنيتها الشرعية. كما يرتبط مفهوما الدعوة والدولة بمفهوم الأمة إرتباطاً عضوياً، وبالتالي فهي مفاهيم غير مستقلة عن بعضها، ولاتشكل كيانات منفصلة. إذ أن (( منأساسياتنظريةالدعوةالتيخطّهايراعالقائدالمؤسسالسيدالشهيدمحمدباقرالصدرهوموضوعالعملالسياسيوالدولةوالسلطة،وكونهاجميعاًأدواتلتحقيقأهداف"الدعوة"فيتحكيمالإسلاموتطبيقشريعته،وليستهدفاًبذاتها. فالعملالسياسيهوأداةالوصولالىالسلطة،والسلطةهيالأداةالتنفيذيةلحركةالدولة،والدولةهيأداة"الدعوة"للوصولالىغاياتالشريعةالإسلامية،وبالتاليفكلهذهالأدواتالتييتحركالداعيةفيإطارهاأويمسكبها؛يجبأنيعيأنهامسؤوليةكبرىأماماللهتعالى،وإنهيؤديمنخلالهاتكليفهالشرعيفيخدمةالدينوالأمة؛مهمابلغموقعهفيالسلطةوالدولة )). وعندالحديث عن مفهوم تحكيمالإسلام؛ فإن حزب"الدعوةالإسلامية" يتطلّع الى الصورةالحضاريةالمشرقة التيحددهاالإسلاملغاياتالدولةفيأبعادهاالإنسانيةوالأخلاقيةوالخدمية؛ وليست الصورة التاريخية المشوهة والمنحرفة للدولة السلطانية أو دولة الجماعات المسلحة. وتعدّ مفاهيم الدولة والحكم والنظام السياسي والنظرية السياسية من أولى المفاهيم التي نظّر لها حزب الدعوة الإسلامية؛ كونها الجزء الأساس في نظرية "الدعوة" وأهدافها وغايات حركتها، كما أنها مثّلت الأطر النظرية التي استندت اليها أدبيات "الدعوة" في توجيه حركتها السياسية وفي تحديد مراحلها. وظلت الدولة هي الهدف المرحلي و الأداة الأساسية التي تسعى "الدعوة" الى الوصول اليها لتحقيق غايات الإسلام وشريعته في التطبيق وقيادة حياة الأمة. وقد كان حل إشكالية تأسيس الدولة الإسلامية في عصر الغيبة هو القاعدة التي تأسس عليها حزب الدعوة الإسلامية. وجاءت الكتابات الأولىللقائد الشهيد السيد محمد باقر الصدر؛ ولاسيما (( أسس حزب الدعوة الإسلامية )) لتشكل النظرية الأساس للدعوة في رؤيتها للدولة، ومايرتبط بذلك من مفاهيم النظرية السياسية والعمل السياسي والحكم والنظام السياسي، ولتعطي للدولة الشكل والمضمون العقائديين المنبثقين عن ماهية "الدعوة" ونظريتها وفلسفة وجودها.فكما إن "الدعوة" هي تنظيم إسلامي عقائدي يقوم على نظرية فقهية واضحة وحركة غائية في إطار الأمة؛ فإن الدولة التي تسعى "الدعوة" الى تاسيسها هي أيضاً دولة إسلامية عقائدية ذات نظرية فقهية. وإذا كانت الدولة هي أداة "الدعوة" لتحقيق هدفها النهائي في تحكيم الشريعة الإسلامية؛ فإن الأمة هي مادة هذا الهدف ومضماره. ومن هذهالأهداف والغايات يتضح مضمون الدولة وشكلها، وتترشّح نظمها السياسية والإقتصادية والثقافية والجهادية كما تؤسسها نظرية "الدعوة". وبما إن هدف " الدعوة " هو العمل في إطار الأمة باتجاه تمكين الشريعة في الدولة؛ فإن رأي الأمة ( في عصر الغيبة ) هو أساس فرز حكّام الدولة؛ بالشكل والشروط التي تمضيها الشريعة. فيكون الحاكم ممثلاً عن الأمة في تحقيق أهداف الدولة. وعلى أساس هذه القاعدة أسست"الدعوة" نظريتها في إدارة الدولة؛ وهي قاعدة الشورى، الى جانب قاعدة الإلتزام برأي الفقيه المتصدي في الأحكام الولائية، أو الرجوع ـ في القضايا التي لا رأي فيها للفقيه المتصدي ـ الى فقيه آخر؛ ولاسيما في القضايا ذات العلاقة بالدماء والأموال وغيرها، وهو مايعرف بإذن الحاكم الشرعي. ووفقاً لذلك فإن "الدعوة" ترتكز في بناء الدولة وإدارتها الى قاعدتين: الشورى وإذن الفقيه. وهما قاعدتا ممارسة الحكم في عصر الغيبة؛ واللتان عبّر عنهما الإمام المؤسس الشهيد محمد باقر الصدر بخط الخلافة ( الأمة ) وخط الشهادة ( الفقيه )؛ إذ يلتقيان عبر كشف الأمة عن الفقيه المتصدي الجامع لشرائط المرجعية والحكم. ونظرية "الدعوة" في الدولة هي نظرية مستنبطة من فهمها للنظرية السياسية الإسلامية في عصر الغيبة؛ أي أنها تتمايز في مرجعيتها ومضمونها العقائدي وبنيتها الفقهية عن نظريةالدولة في الفكر الوضعي؛ وتحديداً الدولة العلمانية في الفكر الغربي الحديث، والدولة الثيوقراطية في الفكر المسيحي الغربي، والدولة الشمولية في الفكر الإشتراكي.ويعتقد حزب الدعوة الإسلامية إن الدولة الإسلامية في أهدافها ووظائفها التي حددتها الشريعة السمحاء وسنّها خاتم الأنبياء الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وآل بيته الاطهار (عليهم السلام) هي الأكثر قدرة ـ في كل زمان ومكان ـ على تحقيق متطلبات الإنسان والإستجابة لحاجاته في العيش الكريم والتوازن في حياته؛ فيما لو أحسن الحكّام إدارة الدولة ووظفوا قدرات الأمة وثرواتها في الإتجاه الصحيح. ومن هنا فإن نجاح الدولة الإسلامية في مختلف المجالات وتثبيت الأنموذج الصالح للحكم يرتبط بعملية التطبيق، ولاعلاقة لفشل الحكّام بفشل النظرية وعدم صحتها. وقد ينصرف الذهن عند الحديث عن الدولة الإسلامية الى دولة الغلبة المفارِقة لرأي الأمة؛ أي النماذج السلطانية التاريخية والحديثة التي حكمت الأمة مئات السنين، أو النماذج المشوهة والمغرضة التي تطرحها بعض الجماعات المعاصرة المحسوبة على الإسلام، ولاسيما الجماعات الإرهابية المسلحة. وقد ينصرف الذهن أيضاً الى التصرفات والسلوكيات الخاطئة التي يقوم بها بعض الإسلاميين، وبينهم بعض الدعاة؛ وهم في مواقع السلطة.وهذا ليس صحيحاً من الناحية المنهجية؛ لأن الدولة الإسلامية لاتؤسسهاسلوكيات حكّامها ومديريها؛ بلأنها تقوم على النظرية الإسلامية والقواعد الشرعية. الدولة الإسلامية والدولة الوضعية الحديثة إن الوقوف على طبيعة الفوارق النظرية والواقعية بين مفهومي الدولة الإسلامية والدولة الحديثة في الفكر السياسي الوضعي؛ من المداخل المهمة التي يتعرف من خلالها الداعية على القواعد التي ينطلق منها في أداء تكليفه الشرعي؛ وهو يمارس دوره وعمله في إدارة المنصب الذي يتبوأه في إطار الدولة الحديثة. ولانريد هنا التوقف عند التعريفات المنهجية للدولة الحديثة، أو مايقابلها من تعريفات للدولة الإسلامية بمضمونها العقائدي؛ ولكن من الضروري الإشارة الى بعض الملاحظات النظرية ذات العلاقة بهذه التعريفات وماينجم عنه من تمايز عملي بين الدولتين.. على مستوى نظرية الدولة الإسلامية في الموروث الفكري السياسي الإسلامي؛ فإن هناكتداخلاً في مفاهيم الدولة والحكم والنظام السياسي والحكومة والسلطة. إذ لايفصل هذا الموروث ـ غالباً ـ بين هذه المفاهيم؛ بل يتحدث عنها وكأنها مفاهيم متساوية في الدلالة. بينما تفصل العلوم السياسية والقانونية الحديثة فصلاً تاماً في تعريف كل منها. والأهم من ذلك هو تعريف القانون الدولي للدولة الحديثة وأركانها، وتحديده لنمط معيّن من الدولة يعترف به القانون الدولي؛ بصفتها كياناً سياسياً ـ قانونياً، وليس كياناً ايديولوجياً وعقائدياً. كما يفصِّل القانون الدستوري للدولة الحديثة في طبيعة عمل النظام السياسي والسلطات الدستورية بما ينسجم مع مايفرضه القانون الدولي. وإلّا لن يكون هناك إعتراف بأية دولة لاتستجيب لهذا النمط. وبذلك لايمكن لأية جماعة؛ بما فيها الجماعات الإسلامية؛ الهروب من هذا الواقع الدولي وتجاوز قوانينه القاهرة. وبالتالي لابدّ من الإجتهاد في تكييف نظرية الدولة كما تؤسس لها الشريعة الإسلامية، ومن ذلك تقسيمها الواقع الدولي الى دار الإسلام ودار الحرب،ومفهوم الأمة الموحدة عقائدياً؛ مع متطلبات القانون الدولي وقواعد القانون الدستوري؛ ولا سيما مايرتبط بالكيانية السياسية ـ القانونية للدولة الحديثة وسيادتها ومضمونها المدني ومفهوم المواطنة. وهذا الواقع لم تستطع حتى الدولة المعاصرة التي يحكمها الفقيه تجاوزه؛ بل انها تعاملت مع ضوابطه العامة بصورة طبيعية. وإذا كانت نمطية الدولة التي يفرضها القانون الدولي واقعاً لايمكن تجاوزه؛ فإن الإجتهاد الإسلامي في مضمار تشكيل النظام السياسي وسلطاته و مضمون الحكومة وتوجهاته؛ بالإعتماد على زخم الشعب المسلم في إختيار الدستور الذي يتفق مع الشريعة الإسلامية وإختيار ممثليه في مجلس النواب؛ الذين يدفعون التشريعات والقوانين بالإتجاه المنسجم مع روح الشريعة وغاياتها؛ هو الفعل المطلوب في مجال أسلمة الحكم وتقريبه لأهداف الإسلام. و هو ماينبغي التنظير له ودراسته بعمق من الحركات الإسلامية عموماً، وحزب الدعوة الإسلامية خصوصاً؛ لتكون منسجمة مع الواقع الذي يفرضه القانون الدولي وقواعد القانون الدستوري من جهة، ومع شكل الحكم وتوجهاته التي تفرضها النظرية السياسية الإسلامية من جهة أخرى. ويبقى أنالتسميات التي تطلق على نظام الحكم الحديث الذي نعمل على تكييفه؛ هي تسميات نظرية؛ سواء أسميناه النظام المدني أو الإنساني أو العادل أو القانوني؛ لأن مايعنينا هو مضمون هذه النظام و روحه، وطبيعة إدارتنا له، وسلوكياتنا وأخلاقياتنا في إطاره. إن قبولنا ـ كإسلاميين ـ بالواقع الذي يفرضه القانون الدولي وقواعد القانون الدستوري؛ لايعني التخلي عن ثوابتنا وأهدافنا الإسلامية في توجيه نظام الحكم في العراق بإتجاه الحكم العادل الإنساني العصري؛ الذي ينسجم مع غايات الإسلام و أحكام شريعته، ومع النظرية الإسلامية في موضوع الدولة.وهذا التوجيه يتطابق مع هوية العراق الوطنية الأصيلة؛ وهي هوية إسلامية؛ وفقاً لإرثه الحضاري وأكثريته السكانية، فضلاً عما ظلت تفرزه الإنتخابات النيابية والمحلية المتعاقبة في العراق منذ عام 2003 م من فوز ساحق للإسلاميين ( سنة وشيعة ). وبذلك فإن الحديث عن أهمية التوجهات الإسلامية لنظام الحكم في العراق ليس قفزاً على إرادة الشعب وتجاوزاً لمطاليبه؛ بل هو إستجابة طبيعية لهذه الإرادة. أما هويةالدولة العراقية بعد عام 2003 م ونظام الحكم فيه؛ فهي هوية مدنية وفقاً للدلالة العامة المشتركة لمصطلح الحكم المدني. ولكنها في التفاصيل الدستورية والتشريعية والقوانين النافدة وتوجُّهات الحكومات المتعاقبة؛ تمثل هوية مركبة متداخلة؛ مستلهمة من النظرياتالمدنيةوالعلمانية والإسلامية معاً؛ وبالتالي فنظام الحكم في الدولة العراقية هو نظام بلاهوية ايديولوجية. وهنا ينبغي الإذعان الى أن مضمون الدولة العراقية الحالية ونظامها السياسي لاينسجم كثيراً مع هوية العراق الإسلامية وطموحات غالبية الشعب العراقي في تحكيم الهوية الإسلامية للدولةوالحكم. تقويم تجربة مشاركة "الدعوة" في حكم العراق إن إشكالية مشاركة حزب الدعوة الإسلامية في حكم العراق بعد عام 2003 م هي إشكالية مركبة غير مسبوقة في أي تجربة إسلامية أخرى، ولا سيما التجارب التي تنتمي الى مدرسة آل البيت (عليهم السلام). وتتكون الإشكالية في بعدها النظري من شقين: الأول:إن "الدعوة" شاركت في تأسيس دولة غير إسلامية، كما شاركت في تدوين دستورها، وإدارتها، وقيادةحكومتها غير الإسلامية؛ معوجود شركاء علمانيين في إدارة الدولة وعضوية القضاء والبرلمان والحكومة. الثاني: إن مشاركة "الدعوة" هذه حصلت في ظل ظروف إستثنائية؛ إذ كان العراقمحتلاً من قوة أجنبية غازية، وإن هذه القوة المحتلة غير مسلمة. أما البعد التطبيقي في إشكالية المشاركة فيتمثل في أداء بعض الدعاة؛ وهم في مواقع السلطة، وماتخلل ذلك من بعض اللبس في الرؤية وخلل في بعض السلوكيات والتوجهات. والمهم في هذا المجال هو إن مشاركة "الدعوة" والدعاة في حكم العراق ليست مشاركة فردية أو ثانوية أو هامشية؛ بل هي مشاركة أساسية و كبيرة ونوعية؛ فرئاسة الوزراء والقيادة العامة للقوات المسلحة لاتزال بيد الدعاة منذ عام 2005 م وحتى الآن، وكذا مواقع سيادية كنيابة رئاسة الجمهورية، وعدد كبير من المقاعد الوزارية و النيابية، وعدد من الحكومات المحلية وغيرها.ومن هنا فإن حجم المراجعة و المعالجة والتأصيل؛ يجب أن يتناسب وحجم إشكالية المشاركة في بعديها الفكري والفقهي، وإشكالية التعارض بين سلوك بعض الدعاة في مواقع السلطة وثقافة الدعوة التنظيمية والإيمانية والأخلاقية. إن حل الإشكالية المذكورة في بعديها الفكري والتطبيقي؛ يتم بالإستناد الى ثلاث نظريات: الأولى: النظرية الإسلامية وقواعد الشريعة ومقاصدها وأولوياتها في جلب المصالح للأمة ودرء المفاسد عنها. أي أن دفع الضرر عن الأمة وحفظمصالحها العلياهو معيار تحديد التكليف الشرعي للدعوة والداعية في ممارسة العمل السياسي والمشاركة في إدارة الدولة. ولم يحدد حزب الدعوة الإسلامية تكليفه الشرعي عملاً بالرأي أو بقرار سياسي؛ بل أنه مارس هذا التكليف بناء على دراسة معمقة للواقع العراقي في مرحلة الإحتلال، وعرض هذا الواقع على العناوين الشرعية الأولية والثانوية، ثم حدد تكليفه في ضوء غايات الشريعة وقواعدها الفقهية. الثانية: نظرية حزب الدعوة الإسلامية وفكره السياسيومفهومه للعمل السياسي. إذ حدّدت نظرية "الدعوة" طبيعة الغايات الشرعية للعمل السياسي للدعاة، ومهام المرحلة السياسية ومرحلة إستلام السلطة ومناهج ممارستهما. وأكّدت على أن العمل السياسي هو طريق الوصول الى السلطة، وإن السلطة ليست هدف "الدعوة"؛ وإنما هي أداة "الدعوة" لنشر أهداف الإسلام الإنسانية العادلة، وتحكيم الشريعة السمحاء، وخدمة الأمة وتأمين العيش الكريم لها وحماية أمنها الإجتماعي و الثقافي والسياسي والإقتصادي. الثالثة: نظرية مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) في الرجوع الى الفقهاء وإستئذانهم؛ ليس في المسائل الفردية وحسب؛ بل في المسائل العامة التي ترتبط بمصير الأمة ومجتمع المؤمنين. وهكذا فإن حزب الدعوة الإسلامية إستند في دخوله العملية السياسية وتحديد وسائل بناء الدولة ومواجهة مشروع الإحتلال؛ الى إقرار مراجع الأمة وفقهاء الشريعةوفتاواهمواذوناتهم. ولم تكن توجيهات الفقهاء العظامتسمح باتباع الوسائل التي حددها الحزب، أو المشاركة في إدارة الدولة والحكومة وحسب؛ بل كانت تذهب الى وجوب ذلك أيضاً. وخلال تجربة المشاركة وتحكيم العلاقة بين حزب الدعوة الإسلامية والدولة بعد عام 2003 م؛ بذلت "الدعوة" كل خبراتها الفكرية والسياسية والميدانية في تحقيق الأهداف التي حدّدها تكليفها الشرعي؛ والذي تمثّل في المشاركة النوعية في بناء عراقٍ جديدٍ ودولةٍ حديثةٍ إنسانيةٍ عادلةٍ تنسجم مع أهداف "الدعوة"، وتقضي على العقيدة الطائفية العنصرية للسلطة البائدة، وتسدل الستار على مئات السنين من الظلم والتهميش والقتل والتهجير والمطاردة التي ظلت الدولة تمارسها ضد الشعب العراقي،وإنقاذ العراق والمنطقة ـ بالوسائل المدروسة التي حدّدها التكليف الشرعي للدعاة ـ من مشروع الإحتلال الذي يستهدف سيادة العراق وثقافة شعبه وهويته، ورسم المسارات الدستورية و القانونية للدولة ونظمها السياسية والثقافية والعسكرية والإقتصادية؛ بما لايتعارض وأحكام الشريعة الإسلامية، والحؤول بين هذه المسارات والنظم وبين مشروع الإحتلال وعملائه، أو إحتمالات عودة الطائفيين والمجرمين؛ من بعثيين وغيرهم، وهيمنة المفارِقين لهوية العراق الإسلامية على الدولة. وساهم الدعاة مساهمة أساسية في أسلمة كثير من مرافق الدولة، ومحاربة الإرهاب السياسي والإعلامي والمسلح، ومواجهة المشروع الطائفي الإقليمي الذي كان يستهدف أمن العراقيين ووحدة أراضي العراق وتقسيمه.فكان الدعاة ولايزالون يتحملون العبء الأكبر في إدارة الدولة العراقية الجديدة؛ ولاسيما بعد إستلامهم موقع قيادة الحكومة والقيادة العامة للقوات المسلحة؛ منذ عام 2005 م وحتى الآن. و في الوقت نفسه؛ فإن هذه المشاركة النوعية والكبيرة لحزب الدعوة الإسلامية في إدارة الدولة والحكومة؛ لاتعني أنه يتحمل لوحده مسؤولية الإخفاقات أو مسؤولية كل مايتم التخطيط له وتشريعه وتنفيذه في إطار الدولة والحكومة، كما إنه لا يمكن أن ينفرد بثمارالنجاحات وتجييرها له؛ ذلك أن طبيعة إدارة الدولة العراقية و قيادة سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية هي طبيعة تشاركية وتعاونيةوتوافقية بين جميع المكونات القومية والمذهبية، والجماعات والكتل السياسية المؤتلفة في الحكومة وفي إدارة الدولة. صحيح أن مواقع رئاسة الوزراء والقيادة العامة للقوات المسلحة ونيابة رئاسة الجمهورية وبعض الوزارات ومقاعد مجلس النواب؛ ظل يشغلها أعضاء حزب الدعوة الإسلامية؛ ولكن الحجم النوعي لهذه المواقع ربما لايتجاوز نسبة الـ 25 ـ 35 % من المسؤوليات الرأسية في الدولة. أما باقي المواقع الرأسية التي تشكل نسبة الـ 65 – 75%؛ كرئاسة الجمهورية وغالبية نوابها، وجميع نواب رئاسة الوزراءومعظم الوزارات ووكالات الوزارات، ورئاسة مجلس النواب ونوابها ومعظم مقاعد المجلس، والغالبية الساحقة من قيادات القوات المسلحة وأمري تشكيلاتها؛ فقد ظل يشغلها أعضاء من المكونات والأحزاب الأخرى؛ الإسلامية والعلمانية حسب التصنيف الفكري، أو الشيعية والسنية والمسيحية والصابئية والإيزدية حسب التصنيف المذهبي والديني، أو العربية والكردية والتركمانية والكلدانية والآشورية والشبكية حسب التصنيف القومي. وبالتالي؛ يتحمل جميع الشركاء المسؤولية شكلاً ومضموناً، ولايمكن إلقاء تبعات الأخطاء والإخفاقات على الدعاة؛ فيما لو أخفقت الدولة أو أخطات، ولايمكن إحتساب النجاحات لمكون او حزب آخر فيما لو نجحت الدولة في مضمار معين.والصحيح هو أن كل جماعة سياسية تتحمل المسؤولية على وفق حجم مشاركتها. بل ولاتتحمل الجماعات مسؤولية مواقف أعضائهاوتصرفاتهم؛ فيما لو كانت هذه المواقف فردية ولاتعبر عن مواقف الجماعة و أفكارها وتوجهاتها. وحيال ذلك تكون مسؤولية الجماعة؛ تقويم تصرفات أعضائها ومحاسبتهم وتسديدهم وإرشادهم. و ينسحب هذا على "الدعوة" أيضاً حيال التصرفات الفردية لقيادييها وكوادرها وأعضائها. فأي خطإ يرتكبه الداعية أو إخفاق له في عمله؛ فإن من الموضوعية أن لايحسب هذا الخطأُ والإخفاق على "الدعوة" كحزب ونظرية وجماعة. وفي هذه الحالة يجب أن يكون للحزب موقفه الواضح من أخطاء أعضائه في إطار عملية المحاسبة والتقويم. مع التأكيد على ضرورة أن تكون المحاسبة على وفق النظام الداخلي والسياقات التنظيميةوالضوابط الإنضباطية المعمول بها في الحزب؛ وليس بصورة ردة فعل فردية أو جماعية من أحد الدعاة أو عدد منهم. لأن ردود الفعل التي لاتنسجم مع ضوابط الحزب وسياقاته؛ تمثل خطأ آخر؛ وإن وجدت لنفسها المسوغات العامة. إن حزب الدعوة الإسلامية كجماعة منخرطة في العمل السياسي ومشتركة في إدارة دولة غير إسلامية، والدعاة كأفراد في مواقع المسؤوليات التشريعية والتنفيذية؛ يتوجب عليهم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالوسائل الشرعية المنسجمة مع القوانين؛ بهدف إصلاح أي خطإ في حركة الدولة، وتقويم أي فشل أو إخفاق، ودفع الدولة باتجاه الإلتزام بضوابط الشريعة الإسلامية؛ وإن واجهتهم الصعوبات والعقبات التي تفرضها مشاركة الآخر المختلف فكرياً وسياسياً. مستقبل علاقة الإسلاميينبالدولة العراقية إن مستقبل العلاقة بين الحركات الإسلامية والدولة، وبين الإسلاميين وعموم الشعب؛يراوح بين الواقع الضاغط والطموح التنظيري. وتحويل هذا الطموح أو جزء منه الى حقيقة؛ تحددها قدرة الحركات الإسلامية عموماً، و" الدعوة الإسلامية " خصوصاً؛ على مراجعة أفكارها ومواقفها ومواقف أعضائها، وتجديد بناها الفكرية والتنظيمية، وتوسيع دوائر انصارها وجماهيرها، والتثبت من تحالفاتها الدائمة والإنتخابية، والقراءة المتجددة للواقع العراقي والإقليمي والدولي، وصياغة رؤيتها لحركة الدولة واستراتيجياتها، وعمل الحكومة ووزاراتها ومؤسساتها، وتقويم قابليات الدعاة وعموم الإسلاميين وسلوكياتهم تقويماً موضوعياً دقيقاً، و وضع كل منهم في الموقع الذي يتناسب وكفاءته وإختصاصه والتزامه. ولاشك أن القدرة الذاتية المتوالدة على التجدد وإعادة البناء؛ تبقى متوافرة لدى حزب الدعوة الإسلامية وباقي الحركات الإسلامية الأصيلة بإذن الله تعالى؛ لطالما وُجدت إرادة الفعل لدى الدعاة وعموم الإسلاميين؛ هذه الإرادة التي حمتهم دائما من مخاطر السكون والتراجع؛ طيلة عشرات السنين من عمره. إن هذا الجهد الكبير يتطلب ـ إبتداء ـ وجود مؤسسة تنظيرية وبحثية تخصصية؛ تضم خيرة المفكرين و الباحثين الدعاة وغيرهم من الإسلاميين؛ لدراسة كل المحاور المذكورةبتركيز وعمق؛ للخروج بتوصيات دورية للدعوة وغيرها من الحركات الإسلامية؛ كلٌّ حسب مسؤوليته وميدان عمله. كما يتطلب ذلك إنشداداً أكبر من الدعاة الى "الدعوة"؛ سواء المتواجدين في مواقع السلطة أو المتفرغين للعمل الحركي أو العاملين في الحقول الأخرى. ولايقتصر هذا الإنشداد على البعد التنسيقي والتنظيمي والسياسي؛ بل يشتمل على البعد الأهم؛ وهو البعد الإيماني والاخلاقي والسلوكي؛ بالشكل الذي أكدت عليه ثقافة الحركات الإسلامية عامة وحزب الدعوة الإسلامية خاصة؛ لأن تمسك الداعية المسؤول بالسلوك الإسلامي الشرعي على المستوى الشخصي والسياسي والممارسة الحركية والأداء الحكومي؛ سيظهره بمظهرالشخص المؤمنالملتزم الصادق القوي الأمين الفاعل المضحي، وسيحوله الى قدوة للآخرين، كما سيكون عاملاً لجذبهم الى المنظومة العقائدية والأخلاقية التي ينتمي اليها؛ وهو الإسلام أولاً و"الدعوة" ثانياً. وهذا هو الميدان الأول للداعية. و وجود هذا السلوك لدى الداعية المسؤول، إضافة الى الإنجاز الذي يقدمه حزب الدعوة الإسلامية للأمة من خلال أعضائه في مواقع السلطة، والتحرك الثقافي والإعلامي والتنظيمي الذي يقوم به الدعاة؛ سيؤدي الى مضاعفة حجم الكتلة المؤمنة الصالحة وامتداداتها الجماهيرية، والى زيادة عدد الدعاة في مواقع المسؤولية. وهو ماسيؤدي تلقائياً الىشد المجتمع الى أحكام الشريعة والسلوك الديني، و يمكِّن "الدعوة"من دفع قوانين الدولة باتجاه التمسك تدريجياً بأحكام الشريعة الإسلامية. وعليه فإن واجب الدعاة يتلخص في طرح النموذج الإسلامي الصالح في خطابهم، وفي خططهم، وفي مشاريع القوانين التي يطرحونها، وفي أسلوب إدارتهم لمواقعهم التشريعية والتنفيذية.وهذا هو الميدان الثاني للداعية. وفي كلا الميدانين تتلخص رؤية الدعوة لعملها في الدولة.


رمز الوثيقة: 93240

رابط المقال: http://siasatrooz.ir/vdcjy8eh.uqetxzf3fu.html

سياسة روز
  http://siasatrooz.ir