كيف تتوقع ان تنتهي الاحتجاجات على قرار الرئيس المصري محمد مرسي بتوسيع صلاحياته؟
احتجاجات شعبية مستمرة حتي تراجع مرسي
احتجاجات محدودة فسيطرة مرسي على مقاليد الحكم
ازدياد نفوذ وشعبية قوى المعارضة بانواعها المختلفة
 
داخلية سياسة ‌زاوية
تاريخ النشر : Wednesday ۹ November ۲۰۱۱ ساعة ۲۳:۵۹
 
 
مصر .. أول انتخابات تشريعية بعد ثورة الشباب
مع بداية شهر نوفمبر الحالي تزايدت وتيرة نشاط الأحزاب والتيارات السياسية القديمة والجديدة – أكثر من ٥٠ حزب - في عموم مصر لخوض أول إنتخابات تشريعية بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ .. إنطلاقاً من قناعة منها جميعاً بقدرتها علي إستكمال متطلبات المرحلة الإنتقالية التى يعيشها المجتمع المصري منذ ١١ فبراير الماضي بعد الإطاحة برئيس الجمهورية السابق وتوالي التعديلات والمحاكمات والقوانين التى تُرسخ لمطالب التغيير والإصلاح علي إمتداد الشهور العشر الأخيره ..


الدكتور حسن عبد ربه المصري *

هذا التنافس المحموم سنتابع أولي تجلياته ضمن فاعليات الجولة الأولي لهذه الإنتخابات التى ستبدأ يوم ٢٨ الشهر وتستمر لثلاث مراحل غير جولات الإعادة ..
كل القوي السياسية التى ضمت نفسها داخل تكتلات و تجمعات سياسية أو أبقت لنفسها مساحة حركة منفردة ، تزعم في نفسها القدرة علي التواصل مع نبض الشارع المصري الساعي بقوة للتخلص من بقايا النظام الذي أسقط أبناء الثورة خلال ١٨ عشر يوماً رمزه الأكبر وبعضاً من رموزه ومستشاريه ، وليس كلهم ..
وتدعي كلها أنها علي توافق مع هذا النبض الجماهيري الذي تزداد " تكتلاته المليونية " قناعة كل يوم أن ما تحقق من شعارات ثورته لا يقاس بما لا زالت تطالب به وتعمل جاهدة علي تحقيقه ، وتعلن رفضها القاطع أن يسرق أي طرف من الثورة حلم الغد الذي راح في سبيله الكثير من شهدائها ..
شهدت مصر خلال العشرة أشهر الماضية تطوراً إيجابياً ملموساً فيما يتعلق بالحق في تشكيل الأحزاب إنعكس بإيجابية علي فرص التعددية الحزبية ، فأضحي في مقدور القديم والجديد من الأحزاب المشاركة في قضية تداول السلطة ..
وإن كان البعض يري في هذا التطور قصوراً أو عدم كفاية علي مستوي آليات الديموقراطية المتعارف عليها ، إلا أن ما شهدته الساحة المصرية بعد أكثر من ثلاثون عاما من إحتكار فئة من الحكام ورجال الأعمال لإدارة الشأن المصري بموجب التزوير وليس بموجب التعاقد الإجتماعي .. وما عاش المجتمع تحت وطأته من هيمنة أمنية وليس وفق تبادل للرأي وإعلاء مصلحة الوطن .. وما تعرض له أبناؤه من إهدار متواصل لكرامتهم بلغ حد التهميش والإقصاء بدلاً من فتح الأبواب أمامهم للمشاركة الفعلية في صياغة يومهم وغدهم ، يعد من وجهة نظرنا مقدمة ‘يجابية مبشرة بخطوات أكثر قدرة علي تفعيل طاقت المجتمع الذي بدأ مسيرته علي طريق التغيير والإصلاح ..
مصر ذات النهج الوسطي علي مستوي الإيديولوجية الدينية .. مصر ذات التوسط الجغرافي بين القارات .. مصر ذات الفكر البعيد عن التطرف في تناول الأمور وتطبيقات حلولها .. مصر النيل الذي ينساب رقراقاً من جنوب الوادي إلي شماله .. مصر الحضارة التي مرت بها
جميع التطورات البشرية فمزجتها في بوتقة التاريخ فصبغت بها شخصيتها المتوافقة مع بيئتها وبنت بها جسور التواصل مع الجيران ..
مصر اليوم تقف علي أعتاب مرحلة شديدة الخصوصية بدأت اولي خطواتها حين وقف المجلس الأعلي للقوات المسلحة إلي جانب الثورة الشبابية ومؤيدوها من جموع الشعب .. وها هي ترتب لثاني هذه الخطوات الحاسمة بالإقتراع من اجل إختيار ممثليها في مجلسي الشعب والشوري الجديدين .. ومن المتوقع ان يضما كافة ألوان أطيافها السياسية بلا تزييف او تزوير او اقصاء علي اي مستوي ، خاصة وأن الساحة أصبحت متسعة لكافة التوجهات السياسية والأفكار التقليدية والمستحدثة التى يمكن تصنيفها وفق اللافتات التالية ..
الأحزاب والتجمعات الوطنية الليبرالية ..
العدد الأكبر من هذه المجموعة نزل الساحة بعد الثورة بشكل جماعي تذوب فيه شخصية القيادة في جماعية العمل الذي يرتكز علي الفريق ، مثل شباب مصر الحر ، شباب التغيير ، تحالف ٢٥ يناير ، التحرير والتنمية ، المستقبل الديموقراطي .. وهي في مجملها تتبني توجهات العروبة وتمنهج نفسها لتطبيق إشتراكية العدالة الإجتماعية وتعد بترسيخ مبادئ الفكر الليبرالي ، وفي نفس الوقت تربط نفسها بالفكر الأسلامي الوسطي ، لذلك يمكن القول أن أفكارها تَعد بتطبيق برامج إصلاحية علي المستويين الإقتصادي والسياسي أخذت بعض تطبيقاتها من نظم حكم مرت بهذه المرحلة في نهاية تسعينات القرن الماضي ..
ويمكن أيضا أن نضيف إلي هذه المجموعة عدد آخر من الأحزاب التى تسعي لتأكيد صورتها الليببرالية وترتكز في نفس الوقت علي شخصية مؤسسها أو أمينها العام مثل شبكة الليبراللين العرب الذي تسعي قيادتها السياسية إلي مد اليد لجميع القوي السياسية القديمة والحديثة .. من خلال شعارات الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي التى يرفعها ..
أما العدد الأقل فيتشكل من نخب حزبية ومجموعات ثقافية لها تأثير ملحوظ علي الرأي العام المصري حتى من قبل إندلاع الثورة ، وبرغم هذه الحقيقة إلا أن كافة الدلائل تؤكد أن تواجدها علي مستوي الشارع والجماهير محدود وغير فعال ..
وربما يكون حزب الوفد نموذجاً واضحا لمعاناة الكتل السياسية التي تعاني بسبب توجهاتها الليبرالية علي مستوي المجتمع المصري .. فبرغم تاريخه الطويل ونضاله السياسي المعروف ، إلا أن خلافات قياداته الكبيرة فيما بينها منذ عاد إلي الساحة في أيام الرئيس الأسبق انور السادات إنعكست سلباً علي قدراته الجماهيرية ومهارات كوادره الحزبية في تحريك القواعد حتى قيل أن عضويته لا تتنامي وإنما تتراجع ..
الأحزاب والتجمعات اليسارية ..
بعض هذه الاحزاب ينطلق من قاعدة عروبية يبغي من ورائها إعادة العلاقة بين مصر وبيئتها العربية والتى كانت قد تراجعت بعد توقيع إتفاقية السلام مع إسرائيل عام ١٩٧٩ إلي ما كانت علية من ريادة وقيادة وتفعيل " لدور عربي مؤثر " بقيادة القاهرة .. وأشهر أحزاب هذه المجموعة الحزب الناصري ، ولكنه هو أيضا يعاني من تراجع كبير – أكثر مما نلاحظه
بالنسبة لحزب الوفد – فهو ممزق داخلياً والتنافس العنيف بين قياداته وصل إلي حدود عميقة في الخلاف .. أما حزب الكرامة الجديد فهو المرشح لأن يكون الواجهة العملية لهذه المجموعة من الأحزاب .. فقيادته شابة ولها تاريخ نضالي مشرف وليس بينها وبين الآخرين عدوات كالتي بين كبار مسئولي الحزب الناصري وعدد كبير من الأحزاب والتجمعات السياسية ..
مشكلة اليسار المصري بصفة عامه ، هي مشكلة اليسار في العالم كله وخاصة في المنطقة العربية .. النخوبية والإنغلاق والتمسك بالأطر النظرية أكثر من إعمال الجهد الحزبي والسياسي في خدمة المجتمع ..
الأحزاب والتجماعات الإسلامية ..
أقدم من يمثل هذه المجموعة متواجد في الشارع المصري منذ عشرينيات القرن الماضي بعد قيام الشيخ حسن البنا بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين ، تلك الجماعة التى تٌعد نظرياً وتطبيقياً " الأم التي انجبت أو رضعت منها كافة التيارات والجماعات والأحزاب السياسية العاملة في الساحة المصرية حاملة شعلة تيارات الإسلام السياسي ، جنباً إلي جنب الأحزاب التى نشأت بعد يناير الماضي مثل أحزاب الوسط ومجتمع السلام ونهضة مصر ..
يميز توجهات هذه المجموعة رفضها للإعتراف بأدوات الديموقراطية المتعارف عليها ، وتمسكها بألية الشوري كحل إسلامي بديل " للأفكار " الغربية التي يتبناها الليبراليون واليساريون .. وبينما يتمسك القديم منها بالخطاب الديني شديد التحفظ الحريص علي إستخلاص التجارب من الماضي لتطبيقها علي الحاضر ، يفرز الجديد منها خطاباً أكثر قبولاً للمبادئ الديموقراطية ولتدوال السلطة عبر آليات يتوافق عليها المجتمع ككل ..
الجدير بالإشارة هنا ان كوادر جماعة الأخوان المسلمون ورموز التيار السلفي اللذين كانوا يتوائمون مع نظام حكم الرئيس السابق لدرجة تأييدهم لفكرة توريث الحكم لنجلة جمال والتى وقفت الغالبية العظمي من فئات الشعب المصري بما فيها مؤسسة القوات المسلحة في خندق رفضها ، سرعان ما نزعوا عن أنفسهم الثوب القديم واستبدلوه بثوب جديد يتوافق مع المرحلة ينازع الجميع مكاناً مرموقاً علي الساحة السياسية مؤكدين قدرتهم علي حصد أكبر عدد من مقاعد مجلسي الشعب والشوري ..
التحليل العلمي والواقعي لهذه القوي ، يشير إلي ..
أولاً .. ليس بينها ما يتمتع بنفوذ غالب ومؤثر إلي الدرجة التى تمنحه صك التفوق علي غيره أو يدعي إمتلاك ناصية الشارع السياسي المصري وجماهيره العريضة ..
ثانيا .. أن العدد الأكبر منها رحب بدرجة أو بأخري بإنضمام عدة مئات من قيادات الحزب الوطني خاصة ذوي القدرات المالية المعروفة ، إليها لتعزيز فرص تواجدها فوق مقاعد المجلسين لما لهم من شعبية سبق تجربتها وتواجد قبلي له وزنه ، ناهيك عن القدرة علي الإنفاق في مجالي الدعاية وعلي مستوي دعم خزان هذا الحزب أو ذاك ..
ثالثا .. أن برامجها الإنتخابية فيها الكثير من التشابه بل والتطابق في أحيان كثيرة ، مما جعل البعض يتندر حول كيف سيتاح للناخب أن يميز بينها ومن ثم يعطي صوته لأفضلها من وجهة
نظره ، في ظل هذا التقارب الشديد فيما يطرحونه عليه من أفكار وشعارات ووعود ..
لذلك من الصعب التنبؤ بما ستكون عليه خريطة مجلس الشعب علي وجه التحديد ، وإن كانت الدلائل تشير إلي تنويعة واسعة من الاطياف السياسية التى لا غلبة واحد منها علي الأخري .. من هنا نتوقع ان تتشكل الحكومة المصرية القادمة من تآلف مجموعتين او ثلاثة مجموعات سياسية لها العدد الأكبر من مقاعد مجلس الشعب القادم ..
فهل سيسمح مثل هذا التآلف لمرحلة البناء والاصلاح السياسي والا قتصادي والاجتماعي التى يتوقعها الشعب المصري بكل ما يملك من تفاؤل وثقة في الغد ؟؟ ..
* استشاري إعلامي مقيم في بريطانيا

رمز الوثيقة: 69258
 
Share/Save/Bookmark