كيف تتوقع ان تنتهي الاحتجاجات على قرار الرئيس المصري محمد مرسي بتوسيع صلاحياته؟
احتجاجات شعبية مستمرة حتي تراجع مرسي
احتجاجات محدودة فسيطرة مرسي على مقاليد الحكم
ازدياد نفوذ وشعبية قوى المعارضة بانواعها المختلفة
 
داخلية سياسة أخبار
تاريخ النشر : Wednesday ۲۲ June ۲۰۱۶ ساعة ۱۴:۲۵
 
 
حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي ( حلقات 13 - 19 )
حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي ( حلقات 13 - 19 )
 
لا بد أن نفرق في مجال الثوابت؛ بين الأحزاب الايديولوجية بمفهومها الـــــفكري والـعــــــقـــــيدي، والأحزاب السياسية بمفهومها الليبرالي الغربي الحديث، فلا يجوز إخضاع الأحزاب الايديولوجية لمعادلات التطور والتحول والعصرنة والمرونة ذاتها التي تخضع لها الأحزاب السياسية؛
(كتاب في حلقات)
الحلقة الرابعة عشر

بقلم: د. علي المؤمن

التحولات الفكرية السياسية في حزب الدعوة الإسلامية
لا بد أن نفرق في مجال الثوابت؛ بين الأحزاب الايديولوجية بمفهومها الـــــفكري والـعــــــقـــــيدي، والأحزاب السياسية بمفهومها الليبرالي الغربي الحديث، فلا يجوز إخضاع الأحزاب الايديولوجية لمعادلات التطور والتحول والعصرنة والمرونة ذاتها التي تخضع لها الأحزاب السياسية؛ لوجود تعارض أساس في فلسفة وجود كلا النوعين من الأحزاب. فمثلا: الحزب السياسي هدفه الوصول الى السلطة كغاية نهائية، بينما الحزب الإسلامي بكونه حزباً ايديولوجياً دينياً دعوياَ؛ ليس حزب سلطة أو حكم؛ بل انه يريد الوصول الى الحكم لتحقيق غاياته الدعوية، أي أن الحزب الاسلامي يخوض العمل السياسي والميداني كأداة للوصول الى الحكم؛ ثم يستخدم الحكم كأداة ووسيلة لتحكيم الشريعة الإسلامية، وبالتالي؛ تكون السلطة أداة الحزب الاسلامي في تطبيق الشريعة في إطار غايات أخروية، بينما تعدّ السلطة هدفاً وغاية للحزب السياسي في إطار عملية صراع دنيوي صرف.
الحكم والسلطة
صحيح أن الهدف النهائي لتأسيس حزب الدعوة الإسلامية هو تحكيم الشريعة الإسلامية عبر تأسيس الدولة الإسلامية، وبسقوط هذا الثابت تتلاشى فلسفة وجوده؛ ولكن؛ وجود هذا الثابت؛ لا يعني الدوغمائية في عملية تطبيق الشريعة؛ بل أن من الضروري خضوع عملية التطبيق للمرونة التي تفرضها الظروف الموضوعية، والتدرج الذي يستطيع الواقع من خلاله استيعاب عملية التطبيق؛ لاسيما إذا كانت تجربة السلطة والحكم مستحدثة ومستجدة، وبحاجة الى استحكام أكبر وتجذير أعمق؛ وإلّا فسيكون الفشل هو النتيجة الحتمية للتجربة؛ وهي في بدايتها؛ بعد قرون من التغييب القسري عن ممارسة عملية السلطة، أي أن أصل التزاحم ( كأصل شرعي ) بين سقوط التجربة برمتها ـ قبل استحكامها وثباتها ـ وبين ضغط تحقيق الأهداف؛ هو الذي يحدد خيارات العمل وأولويات التحرك؛ وهو ما يدخل في إطار “فقه الأولويات” و”فقه المصلحة”، هذا فيما لو كان حزب الدعوة مبسوط اليد ويتفرد في الحكم، أما إذا كان فكر الحزب يمثل جزءاً من عقيدة الدولة، وكان حضوره في النظام السياسي يمثل جزءاً من السلطة والحكم، وقد أمسك بهذا الجزء في إطار عملية سياسية معقدة نتج عنها شراكة مع جماعات علمانية واتجاهات سياسية متنوعة ترفض اي حضور للشريعة الإسلامية في الحياة؛ كما هو الحال مع تجربة حزب الدعوة في العراق بعد عام ۲۰۰۳؛ فإن الحديث عن تطبيق الأهداف والتمسك بالثوابت سيكون بحاجة الى عمق كبير بعيداً عن التدافع الإعلامي والمزايدات السياسية والتسطيح الفكري، وبالتالي فحزب الدعوة ليس هو الحزب الحاكم في النظام السياسي العراقي، ولا هو الحزب الذي تتبنى الدولة عقيدته، ولكن هذا لا يعني أن الحزب يتنازل عن المساحات التي يمكنه التحرك فيها لتحقيق أهدافه أو مقدمات أهدافه الإسلامية.

انفعالات وضغوط
ولم يكن معظم التحولات داخل حزب الدعوة منذ عام ۱۹۷۹ فعلاً دعوتياً بقرار حزبي؛ بل هي انفعالات وانجرارات قسرية ضاغطة؛ أي أن الظروف المحيطة بالدعوة ظلت باستمرار هي المؤثر الأكبر في مسارات الحزب، وليس العكس، ظلت التحولات في نظرية الدعوة وأفكارها تطرأ على الحزب بطرق غير مسبوقة؛ ربما في أي حزب ايديولوجي كبير في العالم، كما ظلت بنية حزب الدعوة الفكرية والسياسية الداخلية ومخرجات خطابه؛ تتبع ـ غالباً ـ التغيير الخارجي الضاغط، فقد بدأت “الدعوة”حزباً قائداً للأمة، تغييرياً، انقلابياً، عقائدياً، لا مذهبياً، عالمياً، وانتهت الى تنظيم شيعي المذهب، عراقي الاهتمام والموطن، سياسي السلوك والنزعة، يتنافس على الحكم مع عشرات الجماعات السياسية في دولة هجينة فكرياً ولا هوية لها.
شواهد نظرية
ولفهم هذه التحولات بشكل دقيق؛ يمكن المقارنة بين أربعة شواهد نظرية: أسس حزب الدعوة لعام ۱۹۶۱، نظامه الداخلي لعام ۱۹۷۵، نظامه الداخلي لعام ۱۹۸۳، نظامه الداخلي لعام ۲۰۰۸، ومن مخرجات هذه التحولات مثالاً:
۱- نظّر حزب الدعوة لفكره السياسي على أساس مبدأ الشورى، وكان هذا مخرجه النظري الوحيد لتأسيس الحزب على قاعدة فقهية، وكان انسجامه في هذا المجال مع الأجواء الحركية الإسلامية السائدة في عقدي الأربعينات والخمسينات لا يتجاوز التأثر الى التطابق في التأصيل الفكري والفقهي.
۲- نظّر حزب الدعوة لفكرة التغيير الانقلابي؛ تأثراً بالأجواء الحركية الإسلامية السائدة في عقدي الأربعينات والخمسينات، وكان هذا مخرجه الثوري النظري للتغلب على النزعة المحافظة أو الإصلاحية المقيدة السائدة في الاجتماع الديني النجفي.
۳- نظّر حزب الدعوة لفكرة العالمية، وأصبحت له قيادة عامة وقيادات إقليمية؛ تأثراً بالأجواء الحركية الإسلامية والقومية السائدة في عقدي الأربعينات والخمسينات.
أعلن حزب الدعوة إيمانه بمبدأ ولاية الفقيه؛ تأثرا بثورة الإمام الخميني، وقام بمبايعته قائداً للأمة، وبذلك ألغى نظرياً وعملياً مبدأ الشورى.
۴- انتقل الى مرحلة الصراع السياسي والعسكري؛ انجراراً؛ بفعل تحرك السيد محمد باقر الصدر المتأثر بثورة الامام الخميني.
۵- تم حل أقاليم حزب الدعوة في لبنان والكويت والبحرين وإيران وباكستان وأفغانستان، ومناطق الإمارات والشرقية بالسعودية وعمان وغيرها؛ بقرارات خارجية جبرية، وتحديداً من حكومات هذه البلدان.
۶- أعاد حزب الدعوة بناء هيكله عراقياً، وألغي القيادة العامة والمؤتمر العام والقيادات الإقليمية؛ بعد أن انهارت أقاليمه غير العراقية.
۷- بايع الإمام الخامنئي؛ مصداقاً لولاية الفقيه بعد وفاة الإمام الخميني؛ انسجاماً مع موجات البيعة العامة.
۸- تحول الى حزب سياسي شيعي عراقي وطني، انسجاماً مع التغيير في خريطة المعارضة العراقية ثم سقوط النظام.
۹- أعلن التزامه بمرجعية النجف العليا؛ انسجاماً مع تحولات الاجتماع السياسي العراقي.
۱۰- وضع بعض أجنحته لنفسه رسمياً أسماء محلية؛ تمييزاً ( تنظيم العراق وتنظيم الداخل).
وتظهر مجمل هذه التحولات أن الواقع أكبر كثيراً من تنظيرات حزب الدعوة لرسالته وغايته؛ الى المستوى الذي أضعف هذا الواقع الموجع روح المبادرة في”الدعوة”، كما أضعف عقله المركزي فيها بعد عام ۱۹۷۹. وغالباً ما كان حزب الدعوة يقوم بعملية تنظيرٍ جزئية بعد حصول التغيير في الواقع المحيط به والمؤثر فيه، والذي يضطر الى مسايرته وتكييف نفسه معه، وغالباً ما يكون هذا التكييف واقعياً وليس فكرياً وفقهياً؛ أي أنه لا يشبه انطلاق الفقيه من الواقع لتشخيص موضوع الحكم الشرعي، أو مدخلية الزمان والمكان في تغيير موضوع الحكم الشرعي، فيتبعه حكم شرعي جديد؛ بل هو مصداق لهجوم اللوابس على من لا يستشرفها.
تحولات الفكر السياسي
استند حزب الدعوة في نظريته السياسية على الأسس التي كتبها السيد محمد باقر الصدر خلال مرحلة التأسيس، وكرس فيها السيد الصدر مبدأ “الشورى” في عمل قيادة الحزب وفي قيادة العمل الإسلامي الموصل الى تأسيس الدولة الإسلامية، بعد أن أجاز إقامتها في عصر غيبة الإمام المهدي؛ وكل ما يترتب على هذه الجواز من جهاد دفاعي ودماء وأموال، ويقول السيد محمد مهدي الحكيم بأن “دراسة السيد الصدر حول هذا الموضوع هي التي سمحت لحزب الدعوة بالانبثاق؛ لأنها أول دراسة فقهية تشرع لتأسيس دولة إسلامية في عصر الغيبة”، ونظّر السيد محمد باقر الصدر للفكر السياسي لحزب الدعوة في نشرة الأسس الإسلامية الداخلية، وظلت الدراسة ونشرة الأسس المذكورتان سريتين؛ لأنهما من الفكر الخاص للحزب.
وتجمع نشرة “أسس حزب الدعوة” التي نشر منها تسعة أسس في أدبياته المطبوعة؛ بين التأصيل للدولة الاسلامية بمعناها الفقهي وبعناصرها القانونية، وبين مفهوم الدولة بمعناها القانوني المعاصر، وبذلك يضع السيد محمد باقر الصدر أول المبادئ الدستورية الإسلامية المؤصلة فكرياً وفقهياً، وهي تختلف اختلافاً كبيراً عن نظرية الشيخ الميرزا النائيني في دراسته “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” لأن النائيني أراد تصحيح واقع قائم وليس التأسيس لواقع جديد، ولذلك قال النائيني: بـ “الملكية الدستورية” وغيرها من مفردات الدولة المفصلة على مقاس إيران الشاهنشاهية، أما أسس حزب الدعوة التي كتبها السيد محمد باقر الصدر فهي تأسيس لنظرية حكم إسلامي ودولة إسلامية في عصر الغيبة، وهو تأصيل فقهي جديد لم تألفه حوزتا النجف وقم، وبذلك تعدُّ هذه النظرية تجديداً في الفقه السياسي الإسلامي الشيعي وفي موروث الاجتماع الديني الشيعي.
بين الصدر والخميني
وظلت رؤية حزب الدعوة للدولة متمسكة بالأسس المذكورة؛ على الرغم من أن السيد محمد باقر الصدر توصل في بحوثه الفقهية نهاية الستينات الى مبدأ “ولاية الفقيه”؛ كما صاغه الإمام الخميني في دروسه الفقهية في النجف، وأثبته في كتاب “البيع” و”الحكومة الإسلامية”، ويذكر بعض رجال تلك المرحلة ـ وهي معلومة لم نتثبت منها رغم محاولاتنا الكبيرة، وقال لي السيد حسن شبر: إنها غير صحيحةـ بأن السيد الصدر طلب من قيادة حزب الدعوة في عام ۱۹۷۰؛ سحب عدد من هذه الأسس من ثقافة الدعوة؛ ولاسيما ما يرتبط بمبدأ الشورى في الحكم الإسلامي؛ ولكن القيادي المتنفذ في “الدعوة” محمد هادي السبيتي لم يقتنع بهذا التوجه الفكري الجديد، وأبقى الأسس كما هي في أدبيات الدعوة.
ثم دوّن السيد الصدر نظريته في الدولة الإسلامية ونظامها السياسي ودستورها في دراساته التأسيسية المهمة التي قدمها خصيصاً الى الإمام الخميني في عام ۱۹۷۹؛ عشية التصويت الشعبي على نظام الحكم الجديد في ايران وبدء مناقشات دستوره الإسلامي، وقد طبعت هذه الدراسات فيما بعد في كتاب “الإسلام يقود الحياة”، وقد استند دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية ونظامها السياسي في كثير من أسسه على هذه الدراسات، وحينها نشأ حراك مهم داخل حزب الدعوة؛ منسجماً مع الواقع الفقهي والفكري والسياسي الجديد الذي خلقه الإمام الخميني بعد عام ۱۹۷۹، ومع التأسيس الفكري الجديد للسيد محمد باقر الصدر في الوقت نفسه، ومع بدء مرحلة المواجهة السياسية والجهادية مع نظام صدام حسين، وانتهى هذا الحراك مطلع عام ۱۹۸۱؛ الى تبني حزب الدعوة لمبدأ ولاية الفقيه رسمياً؛ على وفق ما كتبه السيد الصدر والسيد كاظم الحائري.
ولم يلغ حزب الدعوة مبدأ “ولاية الفقيه” من نظريته؛ على الرغم من توجهاته الواقعية في أواسط التسعينات؛ والتي اتجه فيها نحو مشروع السيد محمد حسين فضل الله في المرجعية وفي رؤيته الفقهية السياسية، إضافة الى تبنيه الممارسة المدنية الديمقراطية عملياً في العراق بعد عام ۲۰۰۳.



التحولات المفصلية الكبرى في تاريخ حزب الدعوة الإسلامية

الحلقة الخامسة عشر
من كتاب حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي

بقلم: د. علي المؤمن

ظلت التحولات في الفكر السياسي لحزب الدعوة الإسلامية مطبوعة بطابع إقليم العراق، ومنسجمة مع الواقع الموضوعي الذي تصنعه الأحداث المفصلية الكبرى؛ وهي ثلاثة مفاصل:
۱- مفصل تأسيس حزب الدعوة الإسلامية عام ۱۹۵۷:
في هذا المفصل استند حزب الدعوة الى دراسة السيد محمد باقر الصدر الفقهية حول جواز قيام الحكم الإسلامي في عصر الغيبة؛ من خلال الأدوات الحزبية؛ التي توفر وسائل كثيرة للوصول الى الحكم الإسلامي، ثم أستند حزب الدعوة على نظرية الحكم التي كتبها السيد محمد باقر الصدر لاحقاً؛ والتي تعتمد مبدأ الشورى في قيادة الحزب لنفسه وللدولة ولمشروع تطبيق الشريعة ولمشروع الدعوة العالمية، وما يتخلل ذلك من ممارسة الجهاد الدفاعي وبذل الدماء والتصرف بالأموال وتحديد مصالح الأمة ومفاسدها.
۲- مفصل تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام ۱۹۷۹:
في هذا المفصل تراجع حزب الدعوة عن مبدأ قيادة الحزب للدولة ولتطبيق الشريعة ولمشروع الدعوة العالمية؛ لأنها على وفق مبدأ ولاية الفقيه مناطة حصراً بالولي الفقيه المبسوط اليد؛ ولا سيما أن الحزب تبنى مبدأ ولاية الفقيه في البعد النظري، وبايع مصداقها الإمام الخميني قائداً، ولم يكن هذا سبب التراجع مقتصراً على تبني الحزب لمبدأ الولاية؛ بل لأن الواقع الشيعي المتدين (المساحة التي يتحرك فيها الحزب) لم يعد يسمح لأي مؤسسة شيعية أخرى بالتحرك سياسياً دينيا على المستوى العالمي؛ في ظل وجود مؤسسة ولاية الفقيه؛ التي اكتسحت الساحة الشيعية في كل العالم خلال أشهر معدودات.
وتبع ذلك؛ تثبيت مبدأ رقابة فقيه الحزب ( آية الله الحائري ) أو المجلس الفقهي على “الدعوة” وتوجيه فكره وسلوكه السياسي على وفقه المحددات الشرعية، ولكنه سرعان ما ألغي مفهوم فقيه الحزب؛ بمسوغ التعارض مع وجود الولي الفقيه العام (الإمام الخميني)، وبسبب رؤية بعض فقهاء الحزب بأن تكون الرقابة ابتداءً، وعلى كل مفاصل الحزب، وليس بصورة عودة الحزب أو لجانه الى الفقيه عند الحاجة.

ولاية الفقيه ومرجعية فضل الله
ولم تكن الإشكالية ذات أهمية في ظل وجود الإمام الخميني؛ ولكن أهميتها ازدادت بعد وفاة الإمام الخميني وصعود فقيه جديد لسدة الولاية (آية الله الخامنئي)، وحيال ذلك بدأ بعض أوساط “الدعوة” يتصدرهم الشيخ محمد مهدي الآصفي (الناطق باسم الحزب) يقاتل فكرياً وتنظيمياً لتحويل علاقة الحزب بولاية الأمر (وهي نظرية الآصفي المتماهية مع مبدأ ولاية الفقيه) وقيادة السيد الخامنئي الى علاقة ولاء وانقياد، وليست علاقة إرشاد وتوجيه، بينما بدأت رموز أخرى في القيادة تتجه تدريجياً نحو بلورة مشروع مرجعي آخر خارج إيران والنجف؛ هو مرجعية آية الله السيد محمد حسين فضل الله في لبنان؛ الذي ظل الأقرب الى نظرية حزب الدعوة الأولى وفكره وقيادته؛ لأنه كان من أعضائه الأوائل ومن قياداته الفكرية والسياسية عقود طويلة، وأصبح رأي قيادة الحزب في موضوعة الدولة والحكومة والفقه السياسي يتبنى عملياً ما يذهب اليه السيد فضل الله، وفضلاً عن القرابة النفسية والفكرية والسياسية والتاريخية بين فضل الله وحزب الدعوة؛ فقد كانت هناك حاجة واقعية للطرفين للسير بمشروع موحد، وكان أركان مشروع مرجعية فضل الله في مساحاته العراقية والسورية والخليجية والإيرانية والأوربية هم الرموز الرسمية وغير الرسمية الأبرز لمدرسة “الدعوة”؛ أمثال: نوري المالكي والشيخ عبد الحليم الزهيري في سوريا، الدكتور إبراهيم الجعفري والسيد حسين الشامي في بريطانيا، الشيخ مهدي العطار في إيران، السيد عبد الله الغريفي في البحرين والخليج وكاظم عبد الحسين في الكويت وغيرهم.

تيارات داخل حزب الدعوة
وظل المفصل الثاني هو الأكثر إثارة للجدل الفكري في أوساط مدرسة “الدعوة” ولا يزال، وقد ترشح عن هذا الجدل مجموعة من التيارات الفكرية داخل الحزب في ثمانينيات القرن الماضي؛ أهمها:
أ- التيار الذي يدعو الى تحويل حزب الدعوة إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة الإسلامية الإيرانية؛ كأداة تنفيذية؛ من خلال الاندماج بالمؤسسات الثورية الإيرانية، مثل “جهاد البناء” أو “الحرس الثوري” وغيرهما، ولم ينجح هذا التيار في تحقيق مسعاه؛ فانشق رموزه عن الحزب، واندمجوا بالفعل في المؤسسات الثورية الإيرانية؛ ولاسيما قوات الحرس الثوري، وقام قسم منهم بتأسيس “قوات بدر” بإشراف مباشر من الحرس الثوري الإيراني، وأصبحوا قادة وآمرين لها، وهي القوات التي تأسست ابتداءً باسم “فوج الشهيد الصدر” في بدايات عام ۱۹۸۳، ثم تحولت الى لواء أطلق عليه اسم “لواء ۹ بدر”، ثم “فرقة بدر”، ثم “فيلق بدر”، و”منظمة بدر” حالياً.
ب- تيار يدعو الى بقاء حزب الدعوة مستقلاً كلياً في نظريته وقيادته ومؤسساته عن قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومؤسساتها، وتكون بينهما علاقة تعاون وهموم مشتركة، واصطدم هذا التيار بالواقع الفكري والسياسي الشيعي الذي تتصدره إيران، وانشق أصحابه عن الحزب أيضاً، وأسسوا مجموعة إسلامية مدنية تدعو الى الوطنية العراقية والحكم الديمقراطي.
ت- تيار يتبنى مبدأ “ولاية الفقيه” ويبايع مصداقه الإمام الخميني؛ مع الاحتفاظ بخصوصية حزب الدعوة المنفصلة عن إيران الدولة والحكومة تنظيمياً وسياسياً، وكان هذا التوجه يفرق بين الدولة الإيرانية ككيان جيوسياسي له خصوصياته، والحكومة الإيرانية كمؤسسة محلية تدير الدولة الإيرانية، وقيادة الإمام الخميني كقيادة عامة لكل الأمة الإسلامية، وظل هذا التيار هو الأكبر عدداً والأهم نوعاً في حزب الدعوة، وظل مسيطراً على قيادته ولجانه ومفاصله منذ عام ۱۹۸۱، وينقسم هذا التيار العام إلى عدة نزعات تفصيلية؛ لا يزال بعضها موجوداً داخل الدعوة أو في إطار مدرستها العامة.

الإشكاليات الشرعية والاجتهاد الجماعي
وتطرح هنا تساؤلات في إطار إشكالية لها علاقة بموضوعة الشورى وولاية الفقيه وشكل الحكم الذي يدعو له حزب الدعوة وغيره من الحركات الإسلامية التي تدار قيادتها بالشورى أو أدوات الديمقراطية؛ دون وجود فقيه حاكم على قراراتها، وتدور هذه التساؤلات حول طبيعة القرارات السياسية في الحزب، باعتبار أن كثيراً منها ليست قرارات سياسية محضة أو إدارية أو تقنية؛ بل هي قرارات دينية شرعية (أحكام شرعية)، أو أنها قرارات سياسية مقبولة شرعاً، وترتبط بملء منطقة الفراغ (على وفق توصيف السيد محمد باقر الصدر)، أو منطقة التفويض التشريعي ( كما قاربتها في أطروحتي الدكتوراه )؛ ولاسيما القرارات ذات الصلة بالأعمال الجهادية والعسكرية والأمنية، وما يترتب عليها من تصرف بالدماء والأموال والأراضي، وإذا كان بعض القرارات السياسية؛ ذا بعد ديني شرعي؛ فهل تقتضي الشورى أن يكون هناك “اجتهاد جماعي” تقوم به القيادة بأجمعها كون رأي الأكثرية هو النافد بمقتضى سيرة العقلاء؟، وهذا اللون من الاجتهاد يعد بادرة فريدة في تاريخ الفقه الشيعي، أما إذا لم تكن هذه القرارات أحكاماً اجتهادية؛ بل يفترض أن تستند إلى حكم شرعي أو غطاء شرعي أو إمضاء فقيه؛ فمن الذي يقوم بذلك؟ هل هو أي فقيه يمكن أن يرجع اليه الحزب، أو فقيه واحد ثابت هو فقيه الحزب، أم جماعة من الفقهاء المتحركين أو الثابتين؟.
وسبق لحزب الدعوة أن أجاب على هذه التساؤلات في عقد الثمانينيات من القرن الحالي؛ بعد أن ظهرت بقوة في أوساطه خلال الأعوام ۱۹۷۹ـ۱۹۸۱؛ ولكن التطورات الواقعية والانتقالات المرحلية والنظام الداخلي الجديد لعام ۲۰۰۸ أعادت هذه التساؤلات مرة أخرى، وكما ذكرنا؛ فإن حزب الدعوة لم يحسم بعد عام ۲۰۰۳ موقفه الفكري والفقهي حيال الدولة الديمقراطية والدولة الإسلامية، والعلاقة الفكرية والمنهجية بمبدأ ولاية الفقيه والمرجعية الدينية مبسوطة اليد ومصاديقها، ويرى بعض قياديي حزب الدعوة أن “هذه الإشكاليات هي جدليات نظرية صرفة”، وربما لا تحتاج الى تأصيلات فقهية وفكرية عاجلة؛ لأن الحزب لم يبتل بها عملياً، أو بالتعبير الشرعي “ليست محل إبتلاء”، وفي حين حلت مجموعة من الحركات الإسلامية؛ كحزب الله في لبنان من خلال الهيئة الشرعية المرتبطة بالولي الفقيه، ومنظمة بدر في العراق عبر الارتباط المباشر بممثل الولي الفقيه، وحركة الوفاق في البحرين، من خلال إشراف المجلس العلمائي الذي يضم وكلاء المرجعيات الدينية؛ فإن حركات أخرى؛ كحزب الدعوة؛ لا تزال تكتفي بقرارات قياداتها السياسية؛ مع الرجوع الى أحد الفقهاء في الموارد التي تحتاجها أو تعترضها.
۳- مفصل تأسيس العراق الجديد والمشاركة في الحكم عام ۲۰۰۳:
في هذا المفصل تبنى حزب الدعوة الإسلامية سلوكاً عملياً يستند الى تبني آليات الديمقراطية في العمل السياسي والوصول الى الحكم؛ بعد أن ظل يرفض نظريتها منذ تأسيسه، ويعدّها مبدأً علمانياً يتعارض مع النظرية السياسية في الإسلام، ولكن إزاء هذه الإشكالية طرح حزب الدعوة عدداً من القواعد الشرعية التي تسوغ له الدخول في نظام حكم يستند الى النظرية الديمقراطية؛ كقاعدة “التزاحم”، وقاعدة “دفع الضرر والمفسدة وجلب المصلحة”، وقاعدة “الضرورة” وغيرها، كما أكّد بأن الدخول في عملية سياسية قائمة على الديمقراطية لا يعني قبول حزب الدعوة بفلسفة الدولة الديمقراطية المدنية وأسسها النظرية العلمانية الوضعية، بل إنه يقبل بآليات عمل الديمقراطية دون فلسفتها، وخلال ذلك حصل الحزب؛ كغيره من الجماعات الإسلامية الشيعية العراقية؛ على عدة أذونات شرعية من المرجعيات الدينية لدخول العملية السياسية؛ ولا سيما من السيد علي السيستاني والسيد علي الخامنئي والسيد محمد حسين فضل الله.

المثلث الفقهي الميداني
وتوثقت علاقة حزب الدعوة كثيراً في هذه المرحلة بمرجعيتي السيد السيستاني والسيد الخامنئي، وبذلك ظل يوازن بين مثلث فقهي ميداني: الخامنئي وفضل الله والسيستاني، ولكن على المستوى الفكري؛ ظل حزب الدعوة متوقفاً عند حسم رأيه في موضوع المبدأ الفقهي السياسي الذي يتبناه في موضوع الحكم؛ وإن كان تبنيه لولاية الفقيه عام ۱۹۸۱ لا يزال قائماً نظرياً في فكره الفقهي السياسي، ولم يتم إلغاؤه رسمياً.
وشهد هذا المفصل تجاذباً وتشتتاً فكرياً وسياسياً أكبر من المفصل السابق؛ ولاسيما على المستويات التالية:
أ- الموقف النظري والواقعي من المرجعية الروحية؛ والذي يتوزع على ثلاثة محاور: مبدأ ولاية الفقيه ومصداقه السيد علي الخامنئي، وما أطلقوا عليه المرجعية المؤسسة ومصداقها السيد محمد حسين فضل الله، والمرجعية العليا النجفية ومصداقها السيد علي السيستاني.
ب- الدخول في مشروع المعارضة العراقية ذي الصلة بالولايات المتحدة الأميركية، وما يتضمنه من إشكاليات فقهية وفكرية وسياسية.
ت- المشاركة في حكم دولة غير إسلامية، والقبول بمبدأ الديمقراطية في ممارسة السلطة.
ث ـ الخبرة في إدارة الدولة وشبهات الفساد الإداري والمالي.

حزب الدعوة الإسلامية بين التجديد الإصلاحي والانقلابي

الحلقة السادسة عشر
من كتاب حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي
بقلم: د. علي المؤمن
بما أن حزب الدعوة لم يجب على الإشكاليات (السابق ذكرها في الحلقة الماضية) إجابات رسمية مؤصلة فقهياً وفكرياً؛ فقد أدى ذلك الى تشتت فكري دون شك، وهذا لا يعني عدم وجود محاولات تأصيلية نشرها بعض قادة الدعوة؛ كالدكتور ابراهيم الجعفري ونوري المالكي والسيد هاشم الموسوي والسيد حسين الشامي وآخرين؛ ولكنها ليست مواقف فكرية رسمية مثبتة في ثقافة “الدعوة”، وربما يعود هذا الخلل الى عدم وجود مراكز دراسات تأصيلية معمقة في حزب الدعوة؛ تأخذ على عاتقها الخوض في هذه المهمة، فضلاً عن انقطاع صدور نشرة “صوت الدعوة” الداخلية في هذه المرحلة؛ والتي من شأنها حل هذه الاشتباكات الفكرية وتثبيت الكلمة الفصل حيالها، ولعل الدراسة الفكرية الأهم حول هذا الموضوع هي دراسة الأمين العام لحزب الدعوة نوري المالكي التي نشرها في مطلع العام ۲۰۱۵ بعنوان: “الحركات الإسلامية وتجربة المشاركة في الحكم”، والتي قارب فيها مجمل الإشكاليات والجدليات التي اعترضت الحزب خلال المفصل الثالث (مفصل تأسيس العراق الجديد والمشاركة في الحكم العام ۲۰۰۳)؛ إذ قارب موضوع مشاركة الإسلاميين في دولة غير إسلامية، وفي ظل ظروف استثنائية؛ بالطريقة المنهجية نفسها التي استخدمها المفكرون الإسلاميون المصريون واللبنانيون والإيرانيون، وجزأ المالكي الديمقراطية الى فلسفة والى أدوات، ورفض فلسفة الديمقراطية لتعارضها مع فلسفة الإسلام ونظرية “الدعوة”، واستنادها الى فكر علماني ومناخات اجتماعٍ سياسي وثقافي وديني لا علاقة لها بمناخات المسلمين وخصوصياتهم، ولكنه دافع عن الأدوات الديمقراطية؛ باعتبارها أدوات فنية تتناسب والخيارات العقلانية، ويمضيها الإسلام، كما فكك إشكالية مشاركة حزب الدعوة في حكم العراق بعد العام ۲۰۰۳؛ أي في حكم دولة غير إسلامية وفي ظل ظروف الاحتلال، وقدم لذلك مسوغات فكرية وواقعية.

غورباتشوف إسلامي
ولكن تبقى هكذا إشكاليات أساسية بحاجة الى دراسات موسعة وجهد فكري جماعي ينتج عنه نظرية كاملة تحسم الجدل الدائر بين الدعاة أنفسهم، أو بين الدعاة وخصومهم النوعيين. ولا يختلف الدعاة حول أهمية حسم هذه الإشكاليات في إطار عملية تجديد نظرية “الدعوة” وفكرها وإعادة بناها ونظمها؛ ولكنهم يختلفون في منهجية التجديد؛ فمنهم من يعتقد بالتجديد الانقلابي الشامل؛ وصولاً الى صيغة سياسية وطنية عصرية، ومنهم من يدعو الى تجديد إصلاحي تدريجي؛ وصولاً الى صيغة إسلامية وطنية؛ تحتفظ بأصالة نظرية الدعوة وتعتمد أدوات عصرية. ويعتقد دعاة التجديد الانقلابي بأن التجديد الإصلاحي التدريجي هو إصلاح ترقيعي وغير مجدٍ، بينما يرى دعاة التجديد الإصلاحي تجربة التجديد الانقلابي خطيرة وذات نتائج تدميرية؛ وستأتي بغورباتشوف إسلامي ينفذ منهجيتي (البيريسترويكا والغلاسنوست)؛ ليكون فيه حزب الدعوة من الماضي. ومقتضى هاتين المنهجيتين إنهاء وجود الموروثات الفكرية التقليدية في “الدعوة”، وعزل الحرس القديم التقليدي، أو تحويلهم الى مستشارين في أحسن الأحوال، وتطبيق سياقات وأنساق تنظيمية جديدة لم يألفها الدعاة. والحقيقة أن في مثل هذه الحالات تبرز الحاجة الى تكامل بين العقل التقليدي والنظرية التقليدية والموروثات الفكرية والتنظيمية والحرس القديم من جهة، والعقل التجديدي المؤسَسي والأدوات التجديدية من جهة أخرى؛ ليكون التجديد منهجياً علمياً؛ لضمان أصالة الدعوة وعصريتها وقوتها واستمرار تأثيرها الاجتماعي والثقافي والسياسي.
بدائل فكرية
وفي إطار التوازن بين التمسك بنظرية “الدعوة” وثوابتها الأصلية، وضغوطات الواقع العراقي؛ يمكن البحث عن ثوابت جديدة منسجمة مع الواقع ومقبولة من النظرية؛ لتكون البدائل الفكرية لأسس النظرية السياسية للدعوة؛ ليتحقق مفهوم توطين نظرية “الدعوة”، ومنها مثالاً:
۱- الإسلامية الحضارية بجرعاتها المقبولة شرعاً وعرفاً، وكما يفرضها الواقع العراقي؛ بديلاً عن النظرية المتخمة بالايديولوجيا.
۲- المذهبية المعتدلة العقدية الفقهية؛ بديلاًعن اللامذهبية أو المذهبية الطقسية.
۳- التغييرية الاجتماعية؛ بالمفهوم القرآني؛ بديلاً عن التغيير بمفهومه الحركي.
۴- الاصلاحية؛ بديلاً عن الانقلابية؛ في الحكم وشكله وبنيته، والدولة ومؤسساتها.
العصرية؛ بمعنى عصرنة الخطاب الإسلامي وانفتاحه، وتحديث الوسائل والأساليب الحزبية والشكل التنظيمي.
۵- الوطنية؛ بمفهومها المقبول شرعاً؛ بديلاً عن العالمية وعن تصدير الشريعة الى العالم.

ثورة المشروطة
لم يفرق تراث الحركات الإسلامية؛ ومنها حزب الدعوة ـ ككل التراث السياسي الاسلامي ـ بين مصطلحات الدولة والحكومة والنظام السياسي، وهو الأمر ذاته بالنسبة لمفاهيم الحاكمية والسيادة والشرعية والمشروعية؛ كما درجت عليه الدراسات الحديثة في فروع الفقه السياسي الاسلامي والقانون الدستوري الاسلامي؛ التي افترضت أن الشرعية والحاكمية تعالجان البعد الايديولوجي الفكري الفقهي للدولة الاسلامية؛ بينما تعالج المشروعية والسيادة البعد القانوني الحديث للدولة الاسلامية.
وكان الفقهاء الإيرانيون المعاصرون أول من استخدم هذه المصطلحات ـ ذات الجذور العربية ـ باللغة الفارسية في بحوثهم وكتاباتهم خلال ثورة المشروطة في إيران عام ۱۹۰۶؛ كالشيخ الميرزا النائيني والشيخ عبد الله النوري، وكذلك مراسلات الشيخ الآخوند الخراساني والسيد عبد الله البهبهاني والسيد كاظم اليزدي والسيد محمد الطباطبائي (فقهاء المشروطة والمشروعة)، واختلطت بالمصطلحات القانونية والسياسية الغربية الحديثة التي كان يطرحها المثقفون العلمانيون في ثورة المشروطة، وكان اختلاط المصطلحات والمفاهيم أحد أسباب الملابسات فكرية وسياسية وأعمال عنف شديدة بين دعاة التغريب من جهة، وبين دعاة المشروطة ودعاة المستبدة (وكلاهما ينتمي الى جبهة التأصيل) من جهة أخرى، وعند ترجمة هذه الكتابات الى العربية وقع المترجمون أيضاً في إشكاليات فكرية وقانونية أساسية؛ ولاسيما ما يتعلق بمصطلحات مشروعة ومشروعية وشرعية وحاكمية وحكومة ودولة وغيرها؛ على اعتبار أن استخداماتها العربية ومداليلها القانونية تختلف عنها بالفارسية؛ بالرغم من أن جميع جذور هذه المصطلحات عربية، ثم تعمقت إشكالية المصطلحات بعد دخول ترجمات كتب الشيخ أبو الأعلى المودودي من اللغة الأوردية الى العربية، وتبنتها الحركات الاسلامية المصرية، ونقلها عنهم الإسلاميون الشيعة، ولذلك حديث تخصصي طويل طرحناه في مطلع تسعينيات القرن الماضي خلال ترجمة رسالة الشيخ الميرزا النائيني وبحوث الشيخ عميد زنجاني وغيرهما.

نظام الدعوة السياسي
وبالانتقال الى الجانب المنهجي؛ كمدخل لبحث موقف حزب الدعوة من الديمقراطية؛ فان بحث النظام السياسي في فكر “الدعوة” يعتمد على ثلاثة أنواع من المصادر:
۱- مصادر فكر حزب الدعوة في موضوع الحكم؛ ومنها نشرة “الأسس” التي كتبها السيد محمد باقر الصدر، وبحوثه التالية المجموعة في كتاب الاسلام يقود الحياة، لاسيما “لمحة فقهية” و”الدولة الاسلامية”، وبحث “شكل الحكم” المنشور في العدد ۳۲ من نشرة “صوت الدعوة” الداخلية، وكراس “شكل الحكم” المعدل سنة ۱۹۸۱، والنظام الداخلي لعام ۱۹۸۲، ومقالات متفرقة موجودة في ثقافة الدعوة ( قسم الفكر السياسي). ومن هذه المصادر يتم استخراج البعد الفكري للدولة في فكر الدعوة.
۲- الكتب المنهجية القانونية في مواد النظم السياسية والقانون الدستوري والقانون الدولي؛ لاستخراج التعريفات العلمية لمصطلحات الدولة القانونية وأركانها والسيادة والحكومة الشرعية والحكم والنظام السياسي؛ لتكييف الدولة الفكرية التي يتبناها حزب الدعوة مع الدولة القانونية التي يعترف بها القانون الدولي.
۳- مصادر الفقه السياسي الإسلامي والقانون الدستوري الإسلامي كما كتبها الفقهاء القانونيون الإسلاميون؛ أمثال الشيخ عباس علي عميد زنجاني والدكتور محمد هاشمي والدكتور مصطفى محقق داماد؛ بهدف الاستفادة من التكييفات الفقهية والفكرية الإسلامية المعاصرة لموضوع الدولة المقبولة إسلامياً ( فقهياً ) والمشروعة قانونياً.
ومن خلال الموائمة الفكرية الفقهية القانونية؛ يتم تقديم رؤية “الدعوة” في نظام الحكم والدولة، والقواعد الشرعية التي تسمح للدعوة بالمشاركة العلنية الرسمية في نظام غير إسلامي؛ مع الأخذ بالاعتبار حجم ونوع ومجال المشاركة، أي أنها رؤية تعبر عن موقف حزب الدعوة النظري والعملي؛ على وفق ما يتطلبه واقع الدولة العراقية في مرحلة ما بعد عام ۲۰۰۳، ليكون التكييف الفكري مرتكزاً الى دولة قائمة؛ بكل ملابساتها الفكرية والشرعية؛ وهو تكييف يوفق ويوائم بين الدولة الفكرية التي يؤمن بها حزب الدعوة وتأسس بهدف إقامتها، والدولة العراقية التشاركية القائمة من جهة اخرى، والدولة القانونية كما يعترف بها القانون الدولي والقانون الدستوري من جهة ثالثة.

بحوث ودراسات
والدراسات الناجحة التي يعول عليها علمياً في موضوع مشروعية الدولة القانونية وشرعيتها الاسلامية، هي التي تستخرج مصدر الشرعية الأرضية للدولة ومصدر شرعية الحكومة؛ سواء كان إذن الفقيه أو العقد الاجتماعي أو رأي أغلبية الأمة، أو الثلاثة معاً. أما البحوث الفقهية المحضة أو التنظيرات العامة (اللازمكانية) في مجال النظرية السياسية الاسلامية والنظام السياسي الاسلامي والدولة الاسلامية ونظام الحكم؛ والتي يفيض بها التراث الفقهي والفكري والفلسفي الإسلامي، فلم تعد هناك حاجة اليها؛ لأنها تتحدث عن الدولة كمفهوم ذهني مجرد؛ لا زمان لها ولا مكان؛ خارج الواقع الجغرافي والتاريخي، وغير محكومة بقواعد القانون الدولي والقانون الدستوري وحقائق الجغرافيا.
وعلى صعيد بنية الدولة؛ فإن رؤية حزب الدعوة الأصلية اليها هي رؤية ايديولوجية؛ فهو يدعو الى الدولة الفكرية؛ أي الدولة المتشكلة على أساس عقائدي فكري، وليس على أساس قانوني وضعي، ويقصد بها الدولة الإسلامية التي تعمل على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بكل تفاصيلها وفي كل مجالات الحياة، وكذلك الأمر بالنسبة للأمة؛ فهو يؤمن بالأمة المتشكلة فكرياً وعقائدياً، وليس الأمة المتشكلة قومياً أو سياسياً.

التأصيل الأساس والمرحلي
وتفرض هذه الحقائق على حزب الدعوة نوعين من التأصيل للدولة أو النظام السياسي الذي يتبناه:
النوع الأول: التأصيل الأساس؛ الذي يتطابق مع نظرية “الدعوة” وفلسفة وجودها، بمعنى أن يكون هذا النظام اسلامياً خالصاً؛ بكل أبعاده العقائدية والفقهية الشرعية التي حددتها أدبيات حزب الدعوة وأسسها، وليس نظاماً توليفياً، ويكون هذا التأصيل خاصاً بالدولة التي يهدف حزب الدعوة الى تأسيسها في زمان ما ومكان ما، ورغم مثالية هذا الهدف؛ ولكنه يرمز الى التصاق حزب الدعوة بركائزه الدعوية السياسية الأصلية. وهذا اللون من التأصيل أنتجه الإمام الخميني؛ إذ عمل في نظريته “الحكومة الإسلامية” على نسف كل أنواع الأنظمة الوضعية؛ واستبدلها بدولة الولي الفقيه، وهي صيغة مختلفة من الناحية الدستورية عن كل النظم السياسية المعروفة.
النوع الثاني: التأصيل المرحلي؛ الذي يراعي حقائق الزمان والمكان ومتطلباتهما، وفيه يتنزل حزب الدعوة الى القبول بأنساق وضعية وآليات أرضية من نتاجات مشاريع حضارية أخرى؛ كالديمقراطية والليبرالية والمدنية مثلاً، مع الأخذ بالاعتبار أن لا يمثل هذا القبول قراراً سياسياً تتخذه القيادة؛ بل خيار فكري قائم على دراسات وبحوث منهجية. وهذا اللون أنتجه الشيخ الميرزا النائيني خلال “ثورة المشروطة” في إيران؛ إذ عمل في رسالته “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” على التوليف بين ثلاث ركائز:
۱- الدولة الوطنية الملكية ( موروث الأمة الإيرانية)
۲- النظام التعددي الانتخابي على وفق القانون العصري ( آليات الديمقراطية)
۳- سياقات التشريع المقبولة فقهياً ( إشراف الفقهاء الدينيين على التشريعات)
ومن خلال هذه النظرية حقق الميرزا النائيني هدفي المشروطة والمشروعة في آن واحد، وهو ما يحتاجه حزب الدعوة تحديداً في عراق ما بعد العام ۲۰۰۳.


دعوات لإعادة بناء حزب الدعوة الإسلامية

الحلقة السابعة عشر
من كتاب حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي

بقلم: د. علي المؤمن

تطرح بعض أوساط حزب الدعوة مشروع مأسسة الحزب؛ في إطار عملية إعادة بناء شاملة؛ تنسجم مع التحول السياسي الجذري الذي شهده العراق بعد عام ۲۰۰۳؛ ليوائم الحزب نفسه مع هذا التحول الذي لم يحصل بقراره وتخطيطه وتنفيذه، وتكون عملية المأسسة لاحقة لعملية تحديد هوية حزب الدعوة الفكرية ونظريته وغاياته وأهدافه الدعوية ومشروعه السياسي، ويرتبط جزء مهم من إعادة البناء بهيكلية حزب الدعوة، وهي مهمة تقترن بوجود مثلث أضلاعه: العقل المؤسَسي، الثقافة المؤسَسية والمواصفات القياسية، وبدون حضور هذا المثلث في كيان الحزب؛ لن تنفع المأسسة وضوابطها وكل أشكال العمل المؤسَسي، وستكون عملية إعادة البناء الفكري والتنظيمي مشوهة وعشوائية.
وسبب التأكيد على أهمية العقل المؤسَسي والثقافة المؤسَسية يعود الى جملة عوامل تمثل بيئة طاردة للعمل المؤسسي في “الدعوة”:
۱- موروث “الدعوة”؛ الذي يكشف نمط العلاقات داخل الحزب، ولا سيما ما يرتبط بتعامل القادة والكوادر المؤثرين داخل منظومة الحزب.
۲- موروث الاجتماع الثقافي العراقي، ولاسيما الريفي الذي يهيمن على مساحة مهمة من الثقافة السلوكية، وحضور القوالب الاجتماعية التقليدية قبل المؤسسة.
۳- موروث الاجتماع الديني الشيعي، ولا سيما ازدواجية حضور عالم الدين الداعية بين موقعه الديني وموقعه الحزبي؛ ما يتعارض مع تطبيق صحيح للعمل المؤسسي.
هذه الموروثات الثلاثة تؤكد أهمية إيجاد ثقافة العمل المؤسَسي ونشرها وترسيخها أكثر من إيجاد المؤسسة الحزبية نفسها، وبعد نجاح الخطوة الأساس هذه؛ يمكن الانطلاق في رحاب إعادة بناء المؤسسة الحزبية وهيكلتها وتجديد فكرها النظمي والتنظيمي، ويمكن في هذا المجال اعتماد أربعة مصادر:
أ- نظرية حزب الدعوة وفكره الموروث.
ب- النظام الاجتماعي الديني الشيعي وخصوصياته.
ت- الخصوصية العراقية في مجالات الاجتماع والسياسة والعقل المنتج والمستهلك.
ث- النظريات الحزبية الغربية الليبرالية، والتجارب الحزبية الشيوعية الايديولوجية؛ في البناء المؤسساتي التنظيمي.
وسينتج عن عملية إعادة البناء والمأسسة المعتمدة على المصادر أعلاه:
حزب عراقي، إسلامي، شيعي، حضاري في الجانب الفكري والنظري، يستند الى نظرية “الدعوة” الأصلية، والى الواقع العراقي الجديد وخصوصياته، تنظيم مؤسَسي قوي رصين فاعل سياسياً ودعوياً، معايير ضاغطة تحول دون حصول تصدعات وانشقاقات وتمرد وخروج.

هيكلية جديدة
ويمكن تصور هيكلية جديدة لحزب الدعوة الإسلامية تنسجم مع الخصائص الأربع السابقة؛ تتألف من:
۱- قمة هرم الحزب؛ تتكون هيكليته من خمسة أركان متكاملة:
ا- مؤتمر الحزب: تحضر له وتديره لجنة مستقلة؛ يشترط في أعضائها ألا يكونوا أعضاء في هيئة الإشراف والقيادة التنفيذية، وعدم الترشح لعضويتهما. ويتم في المؤتمر انتخاب هيئة الإشراف والقيادة ومجلس الشورى.
ب- هيئة الإرشاد: وهي لجنة إشراف ورعاية وتحكيم عليا؛ تكون داخل الجسد الحزبي، ولكنها منفصلة في هيكلها وأعضائها عن القيادة ومجلس الشورى وباقي مؤسسات الحزب، عدد أعضائها ثلاثة الى خمسة من الدعاة الرواد (فقهاء ومثقفين)؛ أحدهم الأمين العام، ويسميها مؤتمر الحزب. وهي بمثابة العقل المركزي للحزب، والضابط لفكره وحركته وعمل قيادته ومؤسساته، ويكون تنظيم العلاقة بالمرجعية الدينية العليا وتحديد مصاديقها من اختصاص الهيئة، ولا يمارس أعضاؤها أي عمل حكومي، أوعمل تنفيذي داخل الحزب؛ باستثناء ما يرتبط بالمؤسسة الدعوية للحزب؛ التي سيأتي الحديث عنها، وينبثق عن الهيئة ثلاث لجان عليا:
أولاً: لجنة القضاء والتحكيم.
ثانياً: اللجنة الفكرية.
ثالثا: لجنة التنسيق الخارجي (خاصة بالدعاة السابقين وأنصار الدعوة من غير العراقيين).
ت- الأمين العام؛ ويمثل رمزية الحزب؛ ويمتلك صلاحيات متابعة أعمال القيادة التنفيذية والتنسيق بين المكاتب واللجان ومؤسسات الحزب؛ عدا هيئة الإرشاد، ويتم انتخاب الأمين العام من مؤتمر الحزب، وهو عضو في هيئة الإرشاد، ويترأس اجتماعات القيادة التنفيذية، وينبثق عن الأمانة العامة تسعة مكاتب ومؤسسات: نائب الأمين العام، مكتب المعلومات.، مركز الدراسات، أكاديمية “الدعوة”، هيئة دعم الحشد الشعبي، مكتب العلاقات العامة.، مكتب التخطيط والميزانية، المكتب الاقتصادي، مكتب الأمين العام.
ث- القيادة التنفيذية: وهي بمثابة السلطة التنفيذية، وينبغي أن تكون متفرغة للحزب، ويكون اشتراك بعض أعضائها في العمل الحكومي استثنائياً، وبقرار من هيئة الإرشاد، كما تتمتع قراراتها الأساسية بالشرعية بعد مصادقة هيئة الإرشاد؛ حسبما يحدده النظام الداخلي، وتمسك القيادة التنفيذية بجسد الحزب وأجنحته الثلاثة كما سيأتي.
ج- مجلس الشورى؛ وهو بمثابة السلطة التشريعية للحزب، ولكن لا تتمتع أي من قراراتها الأساسية بشرعية التنفيذ قبل إقرارها في هيئة الإرشاد؛ حسبما يحدده النظام الداخلي، ولا يمكن الجمع بين عضوية هيئة الإرشاد والقيادة ومجلس الشورى، وتنبثق عن مجلس الشورى هيئتان:
أولا: هيئة الرقابة والتقييم الحزبي والسياسي والمالي والحكومي؛ الخاصة بتقييم أداء الدعاة في الحزب والدولة؛ إدارياً وسياسياً ومالياً، وتقييم اداء حلفاء “الدعوة”، واقتراح الدعاة وأنصارهم للمناصب في الدولة.
ثانيا: هيئة التخطيط الاستراتيجي.
وتقوم هاتان الهيئتان ولجان المجلس الأخرى برفع قراراتها وتقاريرها الى هيئة الإرشاد مباشرة؛ للمصادقة أو الدراسة أو الاطلاع، كما يتوزع أعضاء المجلس على لجان ثابتة؛ تستوعب كل مجالات عمل الحزب.
هذه الأركان المتكاملة الخمسة تحافظ على روح “الدعوة” وانسيابية تحولاتها وتنفيذ قراراتها وسلامة فكرها ومسارها السياسي، وتعمل على تجديدهما تلقائيا، وفي الوقت نفسه تجدد التنظيم والفكر، وتحاصر الانشقاقات والخروج من التنظيم.
ويوضح النظام الداخلي المقترح أسلوب تنظيم علاقة الحزب بالمرجعية الدينية عبر هيئة الإرشاد، ويبين مواصفاتها العامة وتسميتها.
۲- جسد الحزب: يتألف جسد الحزب من ثلاثة أجنحة رئيسة تكمل بعضها؛ ينسق بينها الأمين العام، ويمكن إطلاق تسمية مكتب أو مؤسسة أو هيئة أو جناح عليها، ويتوزع أعضاء القيادة التنفيذية على رئاسة الأجنحة وعضويتها:
أ- الجناح الدعوي: ويختص بشؤون المشروع الدعوي للحزب؛ بما في ذلك الإنتاج الفكري الإسلامي، وشؤون الحوزات وعلماء الدين والوكلاء والمساجد والحسينيات والخطباء والشعائر، والتبليغ والإعلام الديني.
ب- الجناح السياسي: ويختص بشؤون المشروع السياسي للحزب؛ بما في ذلك الدولة والحكم والعمل السياسي والإعلام والعلاقات.
ت - الجناح التنظيمي: ويختص بشؤون المشروع التنظيمي للحزب؛ بما في ذلك تنظيمات “الدعوة” ومكاتبها في العراق والعالم، وشؤون الطلبة والشباب والعمال والعشائر والنقابات والاتحادات المهنية ومنظمات المجتمع المدني.


تجديد تعريف الداعية
لاشك أن إعادة بناء نظرية “الدعوة” سيلقي بظلاله أيضاً على مفهوم المنتمين اليها وتعريفهم، والمقصود بهم “الدعاة” أو أعضاء حزب الدعوة الإسلامية، والداعية بالمعنى الاصطلاحي الإسلامي المعاصر العام هو من يدعو الى الإسلام وتطبيق أحكامه وشريعته في المجتمع أو الدولة، أما “الداعية” بالمعنى الخاص بحزب الدعوة الإسلامية؛ فهو المنتمي الى “الدعوة” تنظيماً وفكراً ومنهجاً وسلوكاً، أو الذي خرج من التنظيم وظل مؤمناً بفكره ومنهجه وسلوكه. وهذا الإيمان الفكري والسلوكي يستدعي أن يكون عضو حزب الدعوة داعيةً إسلامياً أيضاً؛ ليس على مستوى تدينه الفردي وسلوكه الشخصي وحسب؛ بل على مستوى أداء واجباته الدعَوية؛ كالتبليغ الديني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوة الناس لتطبيق أحكام الإسلام ومكارم الأخلاق وغيرها، وبذلك ينطبق عليه مفهوم الداعية بالمعنى الإسلامي العام أيضاً.
ومصطلح “الداعية” منتزع من “الدعوة” وليس من الحزب، أي أنه يشير الى الانتماء للدعوة بمفهومها العقائدي، وليس الى الحزب بمفهومه السياسي، أو ـ بكلمة أخرى ـ التوصيف العقائدي للمنتم وليس التنظيمي. وبالتالي فإن مصطلح “الداعية” ينطوي على أعباء عقائدية ثقيلة وتبعات سلوكية شاملة، وهو ما كان حزب الدعوة يشدد عليه قبل عام ۲۰۰۳؛ أي قبل حدوث التحولات الفكرية والسياسية في الحزب. أما صفات “الداعية” أو عضو حزب الدعوة على وفق واقع العراق بعد عام ۲۰۰۳ والنظام الداخلي لحزب الدعوة لعام ۲۰۰۸؛ فلعلها دخلت في دائرة إعادة النظر والتجديد أيضاً، وسيترشح ذلك تلقائياً في إطار عملية اعادة بناء نظرية حزب الدعوة ومشروعه الدعوي والسياسي الجديد، وسيتبين التوصيف الجديد لأعضائه وشروطهم ومواصفاتهم وواجباتهم؛ فيما لو كانوا هم دعاة للإسلام؛ بكل ما يعنيه هذا المصطلح، أو أنهم أعضاء في حزب سياسي، أو يجمعان التوصيفين معاً.

المستويات الأربعة للدعاة
ويعود الخلاف حول هذه التوصيفات الى الفروق الجوهرية والشكلية بين أربعة مستويات من الدعاة والعاملين للإسلام:
الأول: الداعية بالمعنى الاصطلاحي الإسلامي العام، وهو الإنسان المؤمن الملتزم بالمعتقدات والأحكام الشرعية في فكره وسلوكه، المعبأ بالثقافة الإسلامية التراثية والعصرية، المتعلم، المنتج للأفكار، الناقد للواقع؛ لأن مهمته تتلخص في الدعوة الى الإسلام وشريعته، وتغييرالواقع، والتأثير في المجتمع، والتبليغ بالثقافة الاسلامية، ونشر الوعي الديني، والتبشير بالمشروع الاسلامي في أبعاده المختلفة الفكرية والسياسية، أي أنه نموذج النخبوي الإسلامي، ولا يمكن أن يكون الداعية سياسياً أو عسكرياً محترفاً؛ بل أنه يمارس السياسة والعمل العسكري لأهداف دينية دعوية، أي أنه داعية ومبلغاً ومبشراً قبل أن يكون سياسياً، وإذا لم يكن الداعية بهذه المواصفات سقطت عنه صفة الداعية بمعناها الإصطلاحي، قد تكون مهنته الفلاحة أو البناء أو الطب أو التعليم، ولكنه ينبغي أن يكون مثقفاً ومتفقهاً ومنتجاً؛ ليكون بمستوى أهداف الدعوة وأعبائها.
الثاني: “الداعية” بالمعنى الإسلامي الحزبي الخاص؛ أي “الداعية” العضو في حزب الدعوة الإسلامية؛ الذي تنطبق عليه جميع مواصفات وشروط والزامات الداعية بالمعنى الإسلامي العام، وتضاف عليها أعباء دعوية جديدة خاصة؛ لا تقل ثقلاً نوعياً وكمياً عن المواصفات العامة، وترتبط بمشروع حزب الدعوة الخاص؛ بعقائديته والتزاماته التنظيمية والسلوكية والسياسية والاجتماعية.
الثالث: “الداعية” بالمعنى السياسي الحزبي الخاص؛ أي العضو في حزب الدعوة، وهو الذي يمارس عملاً حزبياً وسياسياً في إطار المشروع التنظيمي والسياسي لحزب الدعوة الإسلامية؛ في حال استحال حزب الدعوة حزباً سياسياً لا علاقة له بالمشروع الدعوي، وهذا التعريف للداعية، أو عضو حزب الدعوة بتعبير أدق؛ لايشترط فيه أن يكون هذا العضو مثقفاً متفقهاً منتجاً ناقداً مغيراً.
الرابع: العامل للإسلام بالصيغ الشعائرية الطقسية، وهو مستهلك للأفكار والثقافة، وينشط في محور إسلامي؛ مسجدٍ أو حسينية أو جبهة عسكرية أو جمعية دينية، ولا يشترط في هذا الشخص أي من مواصفات الداعية وواجباته الثقافية والتبليغية والتغييرية.

توصيفات ما بعد ۲۰۰۳
ولذلك لا يمكن اعتماد توصيفات أدبيات حزب الدعوة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات لأعضائه على واقع ما بعد عام ۲۰۰۳؛ كما يعتقد معظم الرواد منهم، قد تكون هذه التوصيفات مجدية فيما لو أبقي حزب الدعوة الإسلامية على تعريفه لنفسه كما كان في تلك العقود؛ بغاياته وأهدافه التغييرية الانقلابية الكبرى، وعقائديته وعالميته، ومشروعه في إقامة الدولة الاسلامية الفكرية، وتطبيق أحكام الشريعة في المجتمع، هذه هي ماهية “الدعوة” أصلاً؛ فلو بقي الحزب متمسكاً بها؛ سيكون المنتمي إليه داعية إسلامياً وليس عضواً في حزب سياسي، أما إذا قبل حزب الدعوة بالاستحالة والتغيير الماهوي؛ حتى الجزئي منه؛ فإن ذلك يستتبع تغييراً حتمياً في تعريف الداعية، ووضع قواعد ومعايير جديدة لوصف عضو حزب الدعوة، وعلى أساس ذلك سيتم تقرير نوعية ثقافته وميزانها وحجمها، ومناهج تثقيفه وتدريبه، وطبيعة سلوكياته الخاصة والعامة، كي يكون التقرير هنا لكائن واقعي قائم وليس مفهوم ذهني مجرد.

مفكرو حزب الدعوة الإسلامية من الروّاد إلى المعاصرين

الحلقة التاسعة عشر
من كتاب حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي

بقلم: د. علي المؤمن

إن إعادة بناء نظرية حزب الدعوة الإسلامية وفكره وهيكله التنظيمي؛ ليست عملية ارتجالية، أو إجرائية مرهونة بالانفعالات السياسية اليومية؛ بل هي عمليات معقدة بحاجة الى دراسات معمقة وحوارات موضوعية هادئة؛ يقوم بها أصحاب الاختصاصات؛ المنظرون والمفكرون والباحثون؛ وبينهم فقهاء وسياسيون؛ بعيداً عن التجاذبات السياسية والمصالح الشخصية والمزايدات والجدل والتصريحات الإعلامية.
وهذا الموضوع يقود الى استفهام مهم حول الفئة التي تناط بها هذه العملية المعقدة، التي تكمن صعوبتها في أن إعادة البناء النظري والتطبيقي لا تبدأ من الصفر، ولا تقوم على أرض منبسطة؛ بل على بناء قائم عميق وقوي ومتجذر في العقول الظاهرة والباطنة للدعاة، ولذلك تكون مواصفات هذه الفئة خاصة وصعبة أيضاً، ولعلها لا تكون من فئة المنظرين والمفكرين التقليديين في “الدعوة”؛ الذين اعتاد الدعاة على قراءة كتبهم ودراسة أفكارهم والاستماع الى محاضراتهم، في حين أن توصيف المفكر الحزبي والمنظر الدعوي في مرحلة السلطة والتطبيق السياسي وميدان العمل تختلف عن توصيفه في مرحلتي البناء والمعارضة، ولذلك ليس هناك تعريف متجدد وعصري محدد للمفكر أو المنظر الحزبي الإسلامي؛ لكي يكون معياراً دقيقاً يمكن تطبيقه؛ بل هناك معايير نسبية، وتطبيقها نسبي أيضاً، وتخضع لزواية نظر كل باحث أو مؤسسة بحثية.

المنظرون الإبداعيون
وربما ينطبق على المفكر والمنظر الذي يحتاجه حزب الدعوة؛ معيار من يمتلك نظرية إبداعية في مجال معين، ولكن لا يشترط به أن يدون نظريته أو إبداعه الفكري في كتاب أو دراسة، بل هناك من المنظرين والمفكرين الشفاهيين الذي يعتمدون الكلمة والمشافهة والتدريس والميدان في التعبير عن نظرياتهم، وهؤلاء كانوا ولا يزالون موجودين في حزب الدعوة. ولكن على مستوى المفكرين المدونين؛ فأعتقد أن مرحلة أجيال الرواد من مفكري “الدعوة” ومنظريها البارزين محلياً وإقليمياً ودولياً؛ لم يعد لها وجود غالباً؛ ولاسيما أن مرحلة العمل السري (مرحلة البناء التي استمرت من ۱۹۵۷ وحتى ۱۹۸۰) والسنوات العشر التي أعقبتها؛ أفرزت الكثير من المفكرين والمنظرين الذين يندر مثيلهم الآن، ويندر وجودهم في أي حزب اسلامي في العالم، إذا ما استثنينا جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وأبرز هؤلاء: السيد الشهيد محمد باقر الصدر والسيد مرتضى العسكري والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد كاظم الحائري والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ أحمد الوائلي والشيخ عارف البصري وعبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي والدكتور داود العطار والسيد هاشم الموسوي وغيرهم. ويمكن القول إن السيد هاشم الموسوي هو الآن آخر الأحياء ممن لا يزال في حزب الدعوة من ذلك الجيل، أما الأحياء الآخرون؛ كالحائري والتسخيري؛ فلم يعودوا في تنظيمات “الدعوة”؛ بل تغيرت اتجاهاتهم العملية غالبا.ً

كوكبة المفكرين
ومن أبرز الفقهاء والمفكرين الذين يستند أعضاء حزب الدعوة الى أفكارهم وكتاباتهم في موضوعات الفكر العام، ويدرسونها ويشرحونها في حلقاتهم: السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد حسين فضل اللَه، السيد مرتضى العسكري، الشيخ عبد الهادي الفضلي، الشيخ محمد مهدي الآصفي، السيد كاظم الحائري، الشيخ محمد علي التسخيري وآخرون. كما ظل الدعاة منفتحين على الفكر السياسي والحركي للمفكرين الإسلاميين السنة؛ سواء المستقلين أو المنتظمين في الجماعات الإسلامية، ولاسيما جماعة الأخوان المسلمين. ثم انفتحوا على النتاج الفكري الإسلامي الإيراني بعد العام ۱۹۷۹؛ ولاسيما فكر الإمام الخميني والشيخ مرتضى المطهري، أما في الفكر الداخلي الخاص بالدعاة؛ فإن أهم من كتب فيه: السيد محمد باقر الصدر ومحمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد هاشم الموسوي وآخرون.

محطات قاسية
وحزب الدعوة؛ كغيره من الأحزاب الفكرية التأسيسية هو حزب نخبوي في فكره وأعضائه، وجماهيري في تأثيراته وامتداداته الثقافية والسياسية، ومن الطبيعي أن يكون في صفوفه عدد كبير من المنظرين والمفكرين والكتّاب، إلّا أن أربعة عوامل أساسية اسهمت في ضمور هذا النوع المتعارف من المفكرين والمنظرين في صفوفه بعد العام ۱۹۷۲:
۱- مرحلة الانكشاف النسبي للسلطة منذ العام ۱۹۷۱ وما بعدها؛ أكلت نخبة مهمة من مفكري حزب الدعوة وشخصياته التنظيرية؛ ممن أعدمهم نظام البعث أو طمرهم في السجون، وأبرزهم: عبد الصاحب دخيل والشيخ عارف البصري وعدنان سلمان النعماني والشيخ حسين معن ومحمد بداي السالم وهادي شحتور وعبد الأمير المنصوري ومحمد هادي السبيتي وغيرهم.
۲- خروج نخبة مهمة من المفكرين والشخصيات التنظيرية من الحزب في مرحلة المهجر؛ وخاصة في عام ۱۹۸۱ وما بعده؛ لأسباب متعددة، وأبرزهم: السيد مرتضى العسكري والشيخ علي الكوراني والشيخ محمد علي التسخيري والسيد كاظم الحائري ومهدي عبد مهدي والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ حسين الكوراني والسيد موسى الخوئي وآخرون.
۳- وفاة كثير من الشخصيات في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي؛ كالدكتور داود العطار والسيد عبد الأمير علي خان وغيرهما.
۴- وفاة آخرين من شخصيات الدعوة أو خروجهم من الحزب بعد سقوط نظام صدام العام ۲۰۰۳. وأهمهم: عز الدين سليم والشيخ مهدي العطار والدكتور إبراهيم الجعفري وغيرهم.

مرحلة الباحثين والكتاب
ويمكن القول؛ إن مرحلة أفول المفكرين والمنظرين في حزب الدعوة الإسلامية التي بدأت بعد منتصف ثمانينيات القرن الماضي؛ أعقبها بروز ظاهرة جديدة أو مرحلة جديدة تنسجم وطبيعة الظرف التاريخي الموضوعي والتجاذبات الذاتية التي عاشتها “الدعوة”، وهي مرحلة الباحثين والكتاب؛ والتي لم يعرفها حزب الدعوة من قبل بالكم والنوع الذي أصبحت عليه في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، ومن أبرز هؤلاء الباحثين الدعاة: الدكتور داود العطار، السيد هاشم الموسوي، عز الدين سليم، الشيخ عبد الزهرة البندر، السيد حسين الشامي، غالب الشابندر، محمد عبد الجبار الشبوط، السيد عبد السلام زين العابدين، حسن السعيد، ياسين مجيد، السيد محمد الحسيني، عبد الجبار الرفاعي، السيد علي المؤمن، عادل رؤوف، جواد كسار، علي التميمي، صلاح عبد الرزاق، الشيخ فؤاد المقدادي، السيد سليم الحسني، ابراهيم العبادي، شلتاغ عبود، وغيرهم. وإذا ما استثنينا السيد هاشم الموسوي وعز الدين سليم والدكتور عبد الزهره البندر؛ الذين اسهموا في كتابة الفكر الداخلي لحزب الدعوة وفكره الحركي؛ فإن من تبقى من هذه الأسماء عملت في حقول فكرية أخرى لا تدخل في صلب فكر “الدعوة” ونظرياته الخاصة؛ بل عملوا ـ غالباً ـ في إطار الفكر الإسلامي أو الفكر السياسي العام، وكانت لهم نتاجاتهم الكمية والنوعية الملحوظة، وبالتدريج؛ لم يبق من هؤلاء الباحثين أيضاً منتظماً في حزب الدعوة إلّا القليل.

معايير واعتراضات
وإذا طبقنا معيار الإبداع النظري والفكري والميداني؛ بصرف النظر عن التدوين؛ فلا يمكن استبعاد أسماء كثيرة؛ كان لها حضورها أيضا؛ أمثال مهدي عبد مهدي والشيخ مهدي العطار والسيد عبد الأمير علي خان ونوري المالكي والدكتور ابراهيم الجعفري وعلي الأديب والسيد حسن النوري والشيخ عبد الحليم الزهيري والدكتور خضير الخزاعي والدكتور طارق نجم وغيرهم.
ولعل الإشارة الى هذه الأسماء ستثير كثيراً من الاعتراضات وعلامات الاستفهام؛ بدافع القرب والبعد النفسي والسياسي للمعترضين؛ ولكنني لم أذكرها إلّا استناداً الى معايير علمية معتمدة في كثير من مراكز الأبحاث والدوريات العالمية، ولعل من الدوريات المهمة التي تعتمد مثل هذه المعايير: مجلة “فورين بوليسي” الأميركية العلمية المحكمة؛ التي تنشر سنوياً قائمة بأهم مئة مفكر على مستوى العالم، وتذكر أسباب اختياراتها. وهي معايير مقبولة ومعقولة، وأنا أعتقد بصحتها؛ رغم عدم إيماني بخلفيات اختيار كثير من مصاديقها. هذه المعايير على نحوين:
۱- الإنتاج الفكري الإبداعي؛ سواء كان مكتوباً أو شفاهياً.
۲- الفعل الفكري والميداني الإبداعي؛ سواء كان فنياً (الإخراج السينمائي مثلاً) أو سياسياً أو عسكرياً أو إعلامياً أو صناعياً.

معايير "فورين بوليسي"
فمثلاً في قائمتها لعام ۲۰۱۲؛ وضعت دورية “فورين بوليسي” شخصية مثل قائد المعارضة الميانمارية “آنغ سان سوشي” في المرتبة الأولى، كأهم مفكر في العالم لعام ۲۰۱۲، ووضعت مدير الموساد السابق “مائير داغان” في المرتبة الرابعة عشرة، و”رجب طيب أردوغان” في المرتبة ۲۸، وصاحب شركة مايكروسوفت “بيل غيتس” في المرتبة ۳۲، ولكن المفاجأة تأتي عندما نرى أنها وضعت الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني الشهير “يورغن هابرماس” في المرتبة ۸۸، وهابرماس ( مواليد ۱۹۲۹) هو أهم مفكر الماني حي على الإطلاق، بل أحد أهم فلاسفة الاجتماع السياسي على مستوى العالم خلال العقود الأربعة الأخيرة، ويعتبر بمصاف “كارل ماركس” و”مارتن هيدغر”، أما الفيلسوف السياسي السلوفيني العملاق “سلوفاي جيجيك” فقد جاء في المرتبة ۹۲، ولو كانت مجلة “فورين بوليسي” قد اعتمدت المعايير التقليدية المتعارفة في ساحتنا لوضعت “هابرماس” و”جيجيك” في احدى المراتب العشر الأولى قطعاً.

مرحلة الحصاد التاريخي
ومن هنا؛ فإن مدرسة “الدعوة” تضم اليوم عدداً غير قليل من النخب دون شك، ولكن؛ في الوقت نفسه؛ يجب الإذعان بأن مرحلة المفكرين والمنظرين التقليديين الرواد قد انتهت، وأن مرحلة الباحثين الذين برزوا في عقدي الثمانينيات والتسعينيات؛ آخذة بالأفول أيضا؛ بسبب خروج معظمهم من التنظيم، وفي المقابل يعيش حزب الدعوة اليوم مرحلة مفكري الفعل السياسي والميداني، وهي مرحلة مصيرية جديدة بدأت بالتبلور بعد دخول الحزب معترك الدولة والحكم عام ۲۰۰۳، ولا تزال تفرز شخصيات مهمة، وهي في الواقع مرحلة إثبات الذات والحرص على استمرار التجربة أكثر من أي مرحلة اخرى، ويمكن تسميتها بـ “مرحلة الحصاد” التاريخي، رغم كل ما يكتنفها من ملابسات وإشكاليات وأخطاء، وهي المرحلة الأهم في تاريخ حزب الدعوة؛ بل وفي تاريخ مدرسة أهل البيت في العراق.

تلخيص النظرية والفكر
يمكن تلخيص نظرية حزب الدعوة الإسلامية وفكره وعقائديته وعالميته وتحولاته الفكرية والواقعية في النقاط التالية:
۱- إن حزب الدعوة ليس حزباً سياسياً، بل حزب عقائدي ايديولوجي؛ وإن كان يمارس العمل السياسي؛ إذ إن العمل السياسي ليست وسيلته الوحيدة؛ بل إحدى وسائله، وإن الوصول الى السلطة ليس هدفه النهائي؛ بل أداته لتحقيق أهدافه وغاياته النهائية؛ والمتمثلة بتأسيس الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية؛ وصولاً الى غاية تعبيد طريق دنيا المسلمين باتجاه الآخرة.
۲- إن المرحلة الفكرية التغييرية السرية لحزب الدعوة استغرقت في اقليم العراق ما يقرب من ۲۲ عاما، وهو وضع لم تألفه التجارب الحزبية، وكانت هذه المرحلة تنطوي على متغيرات وأفكار تأسيسية وتحركات ووقائع نوعية.
۳- إن التضحيات البشرية التي قدمها الحزب في العراق، وقوانين وأساليب تصفيته؛ لا نظير لها في التجارب الحزبية المحلية والعالمية.
۴- إن حزب الدعوة هو أول حزب إسلامي شيعي عربي يصل الى السلطة في بلد عربي، ويستحوذ على رئاسة الحكومة فيه سنوات طويلة؛ إذ لم يسبق لأية جماعة شيعية في البلدان العربية أن ترأست الحكومة في أي بلد عربي.
۵- إن التحولات الفكرية وبروز جدلية العلاقة بين النظرية والتطبيق التي رافقت مسيرة حزب الدعوة ظلت تحصل بفعل ضغوطات الواقع الخارجي المحيط بالدعوة، وهي ضغوطات عميقة ونوعية تفوق قدرة الدعوة على الصمود والاحتفاظ بنظريتها كما هي في مرحلة التأسيس.
۶- إن إعادة بناء حزب الدعوة الإسلامية نظرياً وفكرياً وهيكلياً؛ باتت مطلباً ملحاً ومصيرياً لا يختلف عليه الدعاة المنتظمون وغير المنتظمين؛ بهدف الخروج بصيغة تأصيلية متجددة تحافظ على أهم ثوابت “الدعوة”، وتوائم الواقع العراقي بكل تعقيداته.

رمز الوثيقة: 96155
 
Share/Save/Bookmark