كيف تتوقع ان تنتهي الاحتجاجات على قرار الرئيس المصري محمد مرسي بتوسيع صلاحياته؟
احتجاجات شعبية مستمرة حتي تراجع مرسي
احتجاجات محدودة فسيطرة مرسي على مقاليد الحكم
ازدياد نفوذ وشعبية قوى المعارضة بانواعها المختلفة
 
داخلية سياسة أخبار
تاريخ النشر : Wednesday ۲۲ June ۲۰۱۶ ساعة ۱۴:۲۸
 
 
حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي ( حلقات 20 - 24)
حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي ( حلقات 20 - 24)
 
أكدت أدبيات حزب الدعوة الإسلامية على أن المرحلة الرابعة من مراحل حركة “الدعوة” هي حاكمية الإسلام، أي تأسيس الدولة الإسلامية في أحد الأقاليم،

حزب الدعوة في لبنان: تجربة فريدة

الحلقة العشرون
من كتاب
بقلم: د. علي المؤمن

ثنائية الوطنية والعالمية في نظرية حزب الدعوة 
ومنها يقوم الحزب بالانطلاق الى بناء الدولة الإسلامية الكبرى التي تضم الجغرافيا الإسلامية دون حدود. ومن هنا تنطلق نظرية حزب الدعوة في عالميتها؛ باعتبارها نظرية إسلامية؛ وكون الإسلام دينا عالميا ودعوته عالمية، فكانت هذه الركيزة هي الثانية بعد ركيزة العقائدية، أو هي من أهم مظاهرها.

نظرية عالمية
كما أن انتماء مؤسسي “الدعوة” وأعضائها الأوائل الى عدة بلدان إسلامية؛ يؤكد طبيعة تحرك حزب الدعوة ومساحته الجغرافية والاثنية؛ إذ أنهم لم يكونوا يطرحون “الدعوة” كحركةً عراقيةً أو عربية؛ وإن كان العراق يمثل محور هذه الحركة وركيزتها؛ بل يطرحونها حركةً إسلاميةً عالميةً؛ انسجاماً مع نظرية عالمية “الدعوة”، وشأنها شأن الحركات الاسلامية الكبرى، أو الحركات الايديولوجية العربية والعالمية. وقد عمل حزب الدعوة؛ ربما دون تخطيط منه؛ على تكريس العراق قاعدة ومحورا للتحرك التنظيمي الإسلامي الشيعي؛ في مقابل الحركة السلفية التي ترتكز الى مرجعية العربية السعودية، وجماعة الأخوان المسلمين التي ترتكز الى محورية مصر. وبذلك شكّل هذا البعد العالمي للدعوة إضافة نوعية للعراق؛ الذي أصبح مركزاً للأطراف التنظيمية الشيعية في المنطقة. وقد امتد حزب الدعوة الى خارج العراق؛ منذ أوائل الستينيات، وأصبحت له فروع قوية في معظم البلدان التي يتواجد فيها الشيعة، وهي ظاهرة جديدة بالكامل لم يعرفها التاريخ الشيعي من قبل.

تحول «الدعوة» الى مدرسة حركية عالمية
وأصبحت الشخصيات التي أسست حزب الدعوة أو انتمت اليه في مرحلة من المراحل بمرور الزمن؛ النخبة الإسلامية الشيعية العربية التي تقود الواقع الإسلامي الشيعي في البلدان العربية؛ على الرغم من أن كثيراً من هذه الشخصيات قد ترك العمل التنظيمي والحزبي؛ ولكنه يبقى في النتيجة خريج مدرسة “الدعوة”؛ والتي أصبحت في ما بعد تمثل التيار المنظم في مدرسة السيد محمد باقر الصدر. فعلى سبيل المثال؛ إذا أخذنا المرجعيات الدينية؛ فسنجد أن أربعة من مراجع الدين المشهورين كانوا أعضاء في حزب الدعوة الإسلامية؛ هم: السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر من مراجع النجف، السيد محمد حسين فضل الله من مراجع لبنان والسيد كاظم الحائري من مراجع قم. كما أن عشرات الفقهاء والمجتهدين وأساتذة البحث الخارج في الحوزات العلمية؛ كانوا أيضاً أعضاء في “الدعوة” .

الدعاة تعاقبوا على قيادة العراق
ثم إذا أخذنا العراق ولبنان والبحرين كنماذج جغرافية؛ سنجد أن معظم قادة الحركات الإسلامية وكوادرها وناشطيها الإسلاميين كانوا من الدعاة، ففي العراق نرى أن معظم القادة السياسيين الإسلاميين الشيعة بعد سقوط نظام صدام عام ۲۰۰۳؛ كانوا أعضاء في حزب الدعوة؛ فالإسلاميون الأربعة الذين تعاقبوا على رئاسة مجلس الحكم؛ ثلاثة منهم كانوا في مرحلة ما أعضاء في “الدعوة”: الدكتور ابراهيم الجعفري والسيد محمد بحر العلوم وعز الدين سليم، وكذا الشخصية السياسية الإسلامية الأبرز بعد السقوط؛ أي السيد محمد باقر الحكيم؛ كان من مؤسسي “الدعوة” وأعضائه المهمين. ثم تعاقب على حكم العراق منذ عام ۲۰۰۵ وحتى الآن (۲۰۱۶ ) ثلاثة من الدعاة: ابراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي، وهكذا عشرات الوزراء ومئات النواب وكبار المسؤولين.

حركة موسى الصدر
وعلى مستوى لبنان؛ فقبل مبادرة السيد موسى الصدر الى تأسيس حركة المحرومين في عام ۱۹۷۴ وجناحها المقاوم حركة “أمل” في عام ۱۹۷۵؛ كان حزب الدعوة هو العنوان الإسلامي الشيعي السياسي الوحيد في لبنان، وبقي على قوته ونموه المطرد حتى في ظل حركة السيد موسى الصدر ومؤسساته التي اكتسحت الساحة الشيعية اللبنانية، وكان السيد موسى الصدر لا يرى في حزب الدعوة منافسا لحركته؛ بل مكملاً فكرياً وداعماً عقائدياً لها؛ لاسيما أن كثيرا من الكوادر العقائدية في حركة “أمل” كانوا أعضاء في حزب الدعوة، كما كان بعض مسؤولي “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى” هم كوادر وقياديون في حزب الدعوة، ولاسيما نائب رئيس المجلس الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وكان ذلك يعضد الخط المؤمن العقائدي في حركة أمل والمجلس الشيعي، وهو ما كان يطمح اليه السيد موسى الصدر؛ على اعتبار أن الحزب والحركة يستوعبان جميع أبناء الطائفة الشيعية على مختلف اتجاهاتهم ومشاربهم وأفكارهم وسلوكياتهم.

المجلس الشيعي الأعلى في لبنان
وقد كان السيد موسى الصدر في أجواء التحضير لتأسيس حزب الدعوة منذ اليوم الأول، وقد طلب منه ابن عمه السيد محمد باقر الصدر في عام ۱۹۵۷ أن ينضم الى جهود تأسيس الحزب؛ إلا أنه فضل وهو في طريق استقراره في لبنان أن يمارس عملا تنمويا عاما مفتوحا ينسجم مع ظروف الحرمان الشديد الذي تعاني منه الطائفة الشيعية في لبنان بسبب التمييز الطائفي والفقر الاقتصادي والإقطاع السياسي، ولذلك لم يكن يرى في حركة ابن عمه السيد محمد باقر الصدر وصديقيه الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله سوى مكمل لحركته وداعم لها، ولذلك كان يعلم بتفاصيل عمل حزب الدعوة في لبنان، وبوجود الدعاة في داخل حركة “المحرومين” وحركة “أمل” و”المجلس الإسلامي الشيعي”. صحيح أن بعض قياديي حزب الدعوة وفي مقدمتهم السيد محمد حسين فضل الله اعتذروا للسيد موسى الصدر بعدم الانضمام للمجلس الشيعي الأعلى الذي أسسه السيد موسى الصدر؛ إلّا ان ذلك لم يؤثر في طبيعة العلاقة والتنسيق بين الطرفين.
وقد كان تنظيم حزب الدعوة في لبنان ثاني أهم تنظيم دعوي بعد العراق؛ فقد كان الدعاة اللبنانيون؛ بحكم تميزهم العددي والنوعي هم الأكثر تأثيراً في عمل الحزب بعد الدعاة العراقيين؛ بل تجاوز تأثيرهم الدعاة العراقيين في الفترة من عام ۱۹۷۱ الى عام ۱۹۷۹؛ حين أصبح القيادي اللبناني محمد هادي السبيتي هو الرجل الأول في قيادة الحزب.

تأسيس “حزب الله” في لبنان
وحين قررت أجهزة الجمهورية الإسلامية الإيرانية احتضان الإسلاميين اللبنانيين الذي كانوا يتوافدون عليها منذ العام ۱۹۷۹ بهدف المبايعة والتنسيق وطلب الدعم؛ وكان كثير منهم من الدعاة؛ فإن هذا التنسيق انتهى في العام ۱۹۸۱ الى قرار تأسيس حزب إسلامي جماهيري علني مقاوم يؤمن بولاية الفقيه ومصداقها فكراً وعملاً؛ أطلق عليه اسم “حزب الله”؛ فكان تنظيم حزب الدعوة هو العمود الفقري لهذا الحزب الناشئ عام ۱۹۸۲، حتى ان معظم مؤسسي “حزب الله” كانوا قياديين في إقليم حزب الدعوة اللبناني، كما كان جميع الأمناء العامين الذين تعاقبوا على قيادة الحزب: الشيخ صبحي الطفيلي، السيد عباس الموسوي والسيد حسن نصر الله؛ من أعضاء حزب الدعوة الإسلامية القدامى؛ فضلاً عن رئيس شورى “حزب الله” الشيخ محمد يزبك ونائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم والقائد العسكري لـ “حزب الله” عماد مغنية ورئيس المجلس السياسي السيد ابراهيم امين السيد ورئيس كتلة “حزب الله” في البرلمان محمد رعد، ومعظم وزراء حزب الله الذين دخلوا الوزارات المتعاقبة، وكثير من أعضاء المجلس السياسي وأعضاء البرلمان، وكثير من القادة الأمنيين والعسكريين، بل كان الشيخ صبحي الطفيلي أول أمين لـ “حزب الله”؛ عضوا في القيادة العامة لحزب الدعوة ومشرفا على الخطوط العراقية لحزب الدعوة في سوريا، والمسؤول المباشر للأمين العام الحالي نوري المالكي بعد هجرته الى سوريا في نهايات عام ۱۹۷۹.

الثنائية الشيعية الحاكمة في لبنان
وبعيدا عن “حزب الله”؛ فإن كثيرا من قيادات حركة “أمل” (قبل تشكيل حزب الله) كانوا أعضاء في حزب الدعوة. أما الشخصيتان الدينيتان والفكريتان الأبرز بعد السيد موسى الصدر؛ فكانا - قبل اعتزالهما التنظيم مطلع ثمانينات القرن الماضي- من قيادات حزب الدعوة؛ وهما: رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين والمرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله؛ بالرغم من أنهما متعارضان في مجمل المواقف داخل الساحة اللبنانية. وانتهت علاقتهما بالقطيعة الكاملة منذ أواخر الثمانينيات؛ وتحديداً في عام ۱۹۸۸ عند اندلاع الحرب الأهلية الثانية بين حزب الله وحركة أمل، بل حتى الشخصيات المعارضة التي برزت ضد ما يعرف بـ (الثنائية الشيعية) التي حكمت الواقع الشيعي اللبناني، ويقصد بها ثنائية حركة “امل” و”حزب الله” الحاكمة؛ فقد كانوا أعضاء في “الدعوة”؛ كالشيخ صبحي الطفيلي والسيد علي الأمين وغيرهما.

الجناح العسكري لحزب الدعوة اللبناني
وكان حزب الدعوة في لبنان قد أسس جناحا عسكريا تحت اسم “قوات الصف المجاهدة” في نهاية سبعينيات القرن الماضي؛ لحماية شيعة لبنان، وكان من أبرز قادته عماد مغنية؛ الذي كان ينشط مع حركة “فتح” الفلسطينية في الوقت نفسه، وطلب ممثلون عن قيادة حزب الدعوة في لبنان وجناحه العسكري من القيادة العامة لحزب الدعوة في عام ۱۹۸۰ تمويل هذه القوات وتسليحها؛ ولكن القيادة لم تكن تمتلك لا المال ولا السلاح لكي تعطيها لتنظيمها في لبنان؛ سوى خمسة آلاف دولار؛ قالت القيادة إنها تستطيع تقديمها له؛ فكانت تلك من المسوغات الواقعية لتوجه قيادة حزب الدعوة اللبناني الى الإيرانيين لطلب دعمهم ومساعدتهم؛ وصولاً الى حل الحزب في لبنان؛ وتأسيس “حزب الله” بديلاً عنه.

أجيال الدعاة اللبنانيين
وأبرز الجيل الأول من الدعاة اللبنانيين: السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين ومحمد هادي السبيتي والشيخ مفيد الفقيه والشيخ حسن ملك والشيخ عبد المنعم المهنا والسيد علي الامين ومهدي السبيتي وحسن شري والشيخ علي الكوراني والشيخ صبحي الطفيلي وغيرهم، وهم جيل الدعاة الرواد الذين انتموا الى الحزب في الفترة من عام ۱۹۵۸ وحتى عام ۱۹۶۵، وهذا يعني أن حزب الدعوة دخل لبنان في وقت مبكر؛ ربما لا يتجاوز السنة الأولى من عمر الحزب. أما الجيل الثاني فأبرز دعاته: السيد عباس الموسوي والشيخ نعيم قاسم ومحمد رعد وعماد مغنية ومحمود الخنسا والشيخ حسن عبد الساتر والشيخ حسين الكوراني والشيخ محمد يزبك ومحمد فنيش ومحمود قماطي وهاني قاسم وحسن حدرج والشيخ راغب حرب والسيد ابراهيم امين السيد وغيرهم، وهو الجيل الذي انتمى الى الدعوة في نهايات عقد الستينيات والى منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي. ويضم الجيل الثالث مئات الدعاة اللبنانيين؛ لعل الأبرز منهم: الشيخ محمد كوثراني والدكتور علي فياض والسيد حسن نصر الله وغيرهم، وهو الجيل الذي التحق بالدعوة بعد العام ۱۹۷۵.


تجربتا حزب الدعوة في البحرين وإيران: الشروق والغروب

الحلقة الحادية والعشرون
من كتاب حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي

بقلم: د. علي المؤمن

جدليات الدعوة: كتاب «الصباح» المتسلسل ح ۲۱
بدأ الباحث والمفكر الدكتورعلي المؤمن منذ العام ۱۹۸۳ بنشر دراسات مكثفة عن الحركة الإسلامية عموما وطبيعة هذه الحركة في العراق توجها بثلاثة مؤلفات كبيرة هي: “سنوات الجمر” “سنوات الرماد”، و”سنوات الحصاد”، فكانت هذه المجلدات الثلاثة توثيقا لنصف قرن من تاريخ الحركة الإسلامية العراقية. فضلا عن دراسات متسلسلة كثيرة أخرى.
في كتابه “جدليات الدعوة: حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الاجتماع الديني والسياسي” يتقصى الدكتور علي المؤمن بروح الباحث الواثق مسيرة حزب الدعوة منذ التأسيس وحتى يومنا هذا، فمنذ بروز اسم الحزب بعد عام ۲۰۰۳ كأحد أبرز الأحزاب الحاكمة في العراق؛ كثر الحديث عنه في الأوساط البحثية والصحفية والإعلامية؛ بصورة غير مسبوقة. وصدرت في هذه الفترة عشرات الكتب والدراسات التي درست تأريخه ومسيرته وسلوكه. ولكن وجود المصادر المتعارضة والمعلومات غير الصحيحة وغير الدقيقة الأخرى؛ جعل معظم ما كتب يثير إشكاليات وتساؤلات حول الحزب أكثر من كونه يقدم مقاربات حقيقية وإجابات، ولهذا سعى المؤمن عبر هذا الكتاب لازاحة تراكم الرؤية الضبابية والاسقاطات الشخصية ووجهات النظر الدعائية وتحليل الاشكاليات التي واجهت الحزب عبر مسيرته الطويلة فكرا وممارسة.
"الصباح" تنشر هذا الكتاب على حلقات لأهميته كونه يلقي الأضواء على تحولات المنطقة الإسلامية برمتها، وهي التحولات التي تستحق المزيد من البحوث والدراسات والمؤلفات المعمقة.
«الصباح»

حزب الدعوة في البحرين
حظي تنظيم حزب الدعوة في البحرين بأهمية كبيرة؛ بالنظر للطبيعة الديموغرافية والتوزيع المذهبي؛ إذ يبلغ عدد الشيعة حسب تقديرات عقد الخمسينيات من القرن الماضي نحو ۸۰ بالمئة من عدد السكان، ويغلب عليهم التدين؛ فضلا عن معاناتهم الشديدة من الحرمان والتمييز الطائفي، ولذلك كان الدخول الى الساحة البحرينية سهلا جدا ومرحبا به عند النخبة الشيعية البحرينية، وقد وصله عبر علماء الدين البحرينيين الذين كانوا يدرسون في النجف الأشرف، أو البحرينيين من خريجي جامعة بغداد، وكان الرجل الذي حمل معه أمر تأسيس فرع للدعوة في البحرين هو عالم الدين البحريني الشيخ سليمان المدني القادم من النجف الأشرف؛ بعد أن أقام فيها حتى عام ۱۹۶۷، ودرس في حوزتها وتخرج من كلية الفقه، وهو أول بحريني ينتمي الى الدعوة، والتحق به فيما بعد الشيخ عبد الأمير الجمري والشيخ عيسى قاسم والسيد عبد الله الغريفي والشيخ العريبي وآخرون، وهم دعاة الجيل الأول في البحرين.

تجربة النخبة البحرينية
وبالرغم من أن دخول الدعوة الى البحرين كان في حدود العام ۱۹۶۵؛ إلّا أن لجنتها القيادية تأسست في العام ۱۹۶۸ على يد الشيخ سلمان المدني، وسرعان ما استقطب الحزب عدداً كبيراً من النخبة الشيعية المثقفة، وبلغت ثقة الحزب بنفسه كبيرة الى مستوى دفعته لدخول الانتخابات البرلمانية عام ۱۹۷۲، وفوز عدد من أعضائه وتشكيل كتلة برلمانية تحت اسم « الكتلة الدينية» برئاسة القيادي الداعية الشيخ عيسى قاسم، كما حصل نائب آخر من أعضاء حزب الدعوة هو عبد الله المدني على منصب أمين سر المجلس الوطني البحريني، كما أسس الأخير مجلة باسم «المواقف» الأسبوعية؛ كانت تعبر عن آراء الدعوة وكتلتها في البرلمان، وهي الوسيلة الإعلامية الوحيدة في العالم التي ذكرت خبر إعدام الشيخ عارف البصري وإخوانه الأربعة في العام ۱۹۷۴، وانتهى الأمر برئيس تحريرها الداعية عبد الله المدني الى الاغتيال طعناً بالسكاكين في العام ۱۹۷۶. وكان الدعاة يمتلكون عدداً من المؤسسات الدينية والخيرية؛ أهمها جمعية «التوعية الإسلامية» التي ترأسها الشيخ عيسى قاسم؛ لتكون إحدى أهم واجهات حزب الدعوة. وعلى الرغم من كل هذه النشاطات فقد ظل اسم الحزب سرياً وتنظيمه بالغ السرية، وينشط من خلال الواجهات فقط.

أحرار البحرين
وفي لندن كان التنظيم المعارض الأهم للنظام البحريني هي حركة «أحرار البحرين»؛ التي كانت إحدى الواجهات السياسية لحزب الدعوة، وترأسها منذ نشوئها العام ۱۹۸۱ الداعية الدكتور سعيد الشهابي عضو قيادة الدعوة في بريطانيا، والذي أسس فيما بعد مجلة «العالم» في لندن، وضمت الحركة جميع الدعاة البحرينيين المقيمين في بريطانيا وأوروبا، ومعظمهم من الطلبة الجامعيين والخريجين. ولكن حل حزب الدعوة نفسه في البحرين العام ۱۹۸۴ على اثر الاعتقالات في صفوفه والتهديد بإعدام أعضائه. وكان الفقهاء البحرينيون الثلاثة الأبرز: الشيخ عبد الأمير الجمري والشيخ عيسى قاسم والسيد عبد الله الغريفي؛ قياديين في حزب الدعوة؛ حتى حله العام ۱۹۸۴. بيد أن مسؤولية التنظيم الرئيسة تحملها الشيخ عيسى قاسم بعد تنحي الشيخ سليمان المدني عن القيادة وتفرغه للعمل رئيساُ للمحكمة الجعفرية العليا. وقد حقق تنظيم الدعوة في البحرين إنجازات سريعة خلال ثمانية عشر عاماً من عمره؛ فقد كان معظم أعضاء البرلمان من الاسلاميين الشيعة في السبعينيات، ثم بعض الوزراء؛ أعضاء في حزب الدعوة. وحتى بعد حل الحزب؛ بقيت تركة حزب الدعوة غنية وكبيرة؛ فكان معظم قادة وأعضاء المجلس العلمائي الشيعي، ثم كثير من مؤسسي حركة «الوفاق» وقادتها وكوادرها؛ أعضاء سابقين في حزب الدعوة؛ فضلاً عن عدد كبير من نواب حركة «الوفاق الوطني» وبعض الحركات والجمعيات الأخرى في داخل البحرين وخارجه.

حزب الدعوة والكفاح المسلح في إيران
وعلى مستوى إيران؛ كان الداعية الشاب الشيخ مهدي علي أكبر العطار يسهم في دعم تنظيم «حزب ملل إسلامي» بشراء السلاح من بادية النجف في أوائل ستينيات القرن الماضي؛ وهو الحزب الذي أسسه الداعية الإيراني المهاجر من النجف السيد محمد كاظم الموسوي البجنوردي العام ۱۹۶۰، وكان يحمل أفكار حزب الدعوة ومنهجيته، وهو الذي فجر الكفاح المسلح ضد نظام الشاه، بعد انهيار حركة السيد نواب صفوي. وكان جهاز المخابرات الإيراني (السافاك) يعد «حزب ملل اسلامي» الفرع الإيراني لحزب الدعوة، وهو ما قرأته أيضاً في منشور صادر عن حزب «توده» الشيوعي الايراني العام ۱۹۶۲، فكان الشيخ مهدي العطار يذهب بالسيد كاظم البجنوردي الى بادية النجف لشراء السلاح من عشائر المنطقة، ثم ينقل السيد كاظم السلاح الى ايران. وفضلا عن «حزب ملل إسلامي» المستقل عن قيادة «الدعوة»؛ فقد كان لحزب الدعوة تنظيم آخر في إيران يرتبط بقيادته في العراق مباشرة، وكان رابطه مع القيادة السيد حسن شبر، وقد تأسس في أوائل ستينيات القرن الماضي أيضاً، ومن قيادييه السيد محمد حسين الطهراني أحد علماء الدين في طهران وإمام جامع القائم، وقد اسهم الحزب في «انتفاضة ۱۵ خرداد» في ايران العام ۱۹۶۳ (ضد الشاه) وغيرها من الأحداث؛ وصولاً الى أحداث الثورة الإسلامية.


خصم «الدعوة» اللدود
وتوسع تنظيم «الدعوة» في ايران مع موجات الهجرة والتهجير من العراق الى ايران بدءاً من العام ۱۹۶۹؛ تزامناً مع الإجراءات القاسية التي اتخذها نظام البعث ضد الحركة الإسلامية في العراق. ولكن القيادة العامة لحزب الدعوة أصدرت أمراً في العام ۱۹۸۲بحل التنظيمات الإيرانية للحزب ؛ لإيصال رسالة إيجابية الى الجمهورية الإسلامية؛ وهي الفترة التي كانت فيها علاقة حزب الدعوة متوترة مع بعض أجهزة الجمهورية الإسلامية، ولاسيما قسم «حركات التحرر» في قوات الحرس الثوري؛ وهو القسم الذي كان يترأسه مهدي هاشمي، الخصم اللدود لخط السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة، وقد أعدم العام ۱۹۸۳ بتهمة ممارسة القتل قبل الثورة وبعدها، والتخابر مع دولة اجنبية ( ليبيا).

عالمية " الدعوة" نتاج عالمية النجف
عندما بدأت تنظيمات «الدعوة» تنتشر في البلدان الأخرى في أواسط الستينات؛ دخل في الحزب أعضاء لم تكن تربطهم بالنجف أو العراق غير رابطة الولاء الديني للمرجعية النجفية، ولكن تحول ولاء هؤلاء الدعاة الى النجف من ولاء ديني محض الى ولاء سياسي وفكري أيضاً؛ إذ أصبحت المرجعية الفكرية والدينية للسيد محمد باقر الصدر هي بوصلتهم، فضلا عن بوصلتهم التنظيمية والسياسية المتمثلة بقيادة حزب الدعوة الموزعة بين النجف وبغداد.
والحقيقة أن تنوع الانتماءات الاجتماعية الأصلية للدعاة لم يؤثر في خلق اتجاهات وميول متباينة في إطار «الدعوة»؛ لأن البيئة النجفية التي أوجدت حزب الدعوة الإسلامية؛ هي بالأساس بيئة صاهرة للأعراق والانتماءات الاجتماعية؛ إذ ظلت البيئة النجفية طوال مئات السنين قادرة على صهر جميع الوافدين في بوتقتها؛ سواء كانوا من العراقيين الحضر من المدن الأخرى، أو العراقيين أبناء الريف، أو بدو نجد والأردن والشام، أو الإيرانيين الفرس والأذربيجانيين، أو أبناء شبه القارة الهندية، أو الهزارة والطاجيك في أفغانستان؛ فضلاً عن العرب من البلدان الأخرى، وفي مقدمهم اللبنانيين والخليجيين؛ فتراهم بعد فترة يتحولون الى أبناء للبيئة النجفية بكل تفاصيلها، وهذه الخاصية التي تتميز بها النجف ربما تكون فريدة من نوعها عالمياً من زاوية علم الاجتماع، وهي القدرة على صهر الآخرين؛ أي أن النجف هي بالأساس مدينة عالمية وليست عراقية محضة في بعدها الإجتماعي، فضلاً عن الديني. وحين نتحدث عن النجف فلا نقصد بها المدينة والإدارة المحلية والشوارع والأزقة والمباني؛ بل نقصد النجف الحاضرة العلمية الدينية والعاصمة المعنوية الشيعية، وهي مواصفات استثنائية ليست مصطنعة؛ بل تمثل تراكماً تاريخياً طبيعياً بدأ قبل نحو ألف سنة، ولا تشبه أية مدينة في العالم. وهكذا حين نقول بأن حزب الدعوة بدأ نجفياً وبقي هكذا في مرحلة انطلاقه وانتشاره؛ فإننا نقصد طبع الحزب بطابع الحاضرة النجفية في اجتماعها الديني والسياسي والثقافي وفي أنساقها الانثروبولوجية؛ وهو طابع عقائدي وعابر للحدود الجغرافية:

عوامل تحول عالمية حزب الدعوة من تنظير الى واقع
وقد ظهرت هذه الحقيقة في حزب الدعوة بشكل واضح؛ فلم تكن عالمية حزب الدعوة نتاجا لنظرية مؤسسيه وحسب؛ بل انعكاسا لعالمية البيئة النجفية التي تأسس ونشأ فيه حزب الدعوة، ولو تأسس حزب الدعوة في مدينة أخرى لما تحققت هذه القاعدة النظرية والعملية في بنائه. وفضلاً عن هذه العوامل الموضوعية؛ فإن هناك ثلاثة عوامل ذاتية ترشحت عن عالمية البيئة النجفية؛ كان لها التأثير الأساس في نقل عالمية حزب الدعوة من النظرية القائمة على أساس عقائدي متمثلا بعالمية الإسلام الى التطبيق الواقعي:
۱- وجود علماء الدين في صدر قائمة مؤسسي حزب الدعوة وقيادييها وكوادرها، والمعروف أن عالم الدين يكون البعد الاسلامي العالمي في شخصيته قوياً جداً، وينعكس على حركته بشكل طبيعي، فضلاً عن أن معظم هؤلاء العلماء الدعاة تنقّل بين بلدان متعددة، وكان وكيلاً للمرجعيات الدينية.
۲- صعود قياديين وكوادر غير عراقيين لقيادة حزب الدعوة ومفاصله التنظيمية الأساس، ولاسيما اللبنانيون وذوو الأصول الإيرانية؛ بل كان تأثير البيئات اللبنانية والإيرانية والكويتية يوازي ـ في بعض المراحل ـ تأثير البيئة العراقية في توجيه مسارات حزب الدعوة.
۳- التأثر بعالمية التنظيمين الإسلاميين السنيين الكبيرين: جماعة الأخوان وحزب التحرير، والتنظيمات الشيوعية العالمية والتنظيمات القومية العربية، وهو تأثر اجتماعي بديهي؛ لأن الأخوان والتحريريين والشيوعيين والقوميين كانوا يعيشون في ضمن مجتمع واحد مع المتدينين.
رابط الحلقة الحادية والعشرين من كتاب "جدليات الدعوة"
http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=۱۱۷۷۲۱


إنهيار التنظيم العالمي لحزب الدعوة

الحلقة الثانية والعشرون
من كتاب حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي

بقلم: د. علي المؤمن

حزب الدعوة يخلق محورية عالمية للعراق
بعد أن كان العراق تابعا من الناحية السياسية طيلة قرون من عهود الاحتلال المتوالية؛ فإنه استحال محورا عربيا وإسلاميا بفعل مؤسستين سياسيتين ايديولوجيتين عابرتين للحدود؛ هما:
۱- الجناح اليميني لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي حول العراق منذ عام ۱۹۶۸ الى محور للحركة القومية اليمينية البعثية في جميع البلدان العربية.
۲- حزب الدعوة الإسلامية الذي حول العراق منذ اوائل الستينيات الى محور للحركية الإسلامية الشيعية في كل البلدان التي يتواجد فيها الشيعة بسبب امتداداته التنظيمية والفكرية في هذه البلدان.
والمحورية العراقية التي خلقها حزب الدعوة وحزب البعث؛ تقابلها المحورية المصرية التي خلقتها جماعة الإخوان المسلمين والقيادة الناصرية، والمحورية السورية التي خلقها الجناح اليساري لحزب البعث، ولذا فقد أضاف حزب الدعوة للعراق إضافة نوعية في هذا المجال، ولو كان حزب الدعوة قد تأسس في بلد آخر غير عراق البعث، وزمان آخر غير زمن صدام؛ لكافأته الدولة على عطائه هذا؛ إلّا أن الدولة التي لا تحترم علماءها وعظماءها وتعدمهم، وفي مقدمهم المفكر الإنساني العالمي الكبير السيد محمد باقر الصدر؛ فإنها لا تتردد في تدمير عشرات التنظيمات الفكرية التأسيسية العابرة للحدود من أمثال حزب الدعوة؛ من أجل حماية نفسها من أي خطر محتمل مهما بلغت قيمته الإنسانية.

عوامل إنحسار التنظيم العالمي للدعوة
وقد أثرت عوامل ذاتية وخارجية على فقدان حزب الدعوة بريقه العالمي، بدءا من أوائل الثمانينيات، وذلك بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتفاعل الشيعة في كل العالم معها، وتمدد نفوذها الديني والثقافي والسياسي في جميع الأوساط الشيعية الإسلامية الحركية والمتدينة في العالم، ومن بينها تنظيمات حزب الدعوة في معظم البلدان، وقد تزامن ذلك مع التنحي التدريجي لمعظم الفقهاء وعلماء الدين الكبار عن قيادة حزب الدعوة؛ سواء بوفاتهم أو تصديهم للمرجعية الدينية أو تسنمهم مواقع قيادية في مؤسسات غير عراقية، أو اختلافهم مع توجهات حزب الدعوة السياسية والفكرية الجديدة، ومن أبرزهم: السيد مرتضى العسكري والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد كاظم الحائري والشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد مهدي الآصفي، وكذلك خروج معظم القيادات غير العراقية من التنظيم؛ كالشهيد محمد هادي السبيتي والشيخ علي الكوراني، ثم بروز العامل الموضوعي المتمثل بانهيار تنظيمات حزب الدعوة في البلدان الأخرى؛ والتي فقد إثرها حزب الدعوة قيادات تاريخية بحرينية ولبنانية؛ كالشيخ صبحي الطفيلي والشيخ محمد يزبك والشيخ حسين الكوراني والشيخ نعيم قاسم والشيخ عيسى قاسم والسيد عبد الله الغريفي والشيخ عبد الامير الجمري وغيرهم، في حين أن وجود القياديين والكوادر غير العراقيين، ولاسيما اللبنانيين وذوي الأصول الإيرانية؛ بالنظر لتنوع خبراتهم الاجتماعية وكفاءاتهم الثقافية؛ كان سببا أساسيا في سطوع حزب الدعوة وانتشاره وقوته.
ومن جانب آخر؛ أسهم البعد الذاتي المتمثل بانحسار الشخصيات العلمائية النجفية في القيادة والكادر المتقدم؛ بدور مهم في انحسار الهم العالمي لحزب الدعوة، وتحوله الى حزب عراقي وطني، مع احتفاظه بقواعده العقادية النظرية الإسلامية الأخرى، ولاسيما بعد سقوط النظام السابق وتسلم الحزب للمفاصل الأساس في الحكومة بعد عام ۲۰۰۳، وهنا تعامل حزب الدعوة تعاملا واقعيا مع من تبقى من أعضائه وأنصاره من غير العراقيين؛ فقد ألغى ارتباطهم به؛ بهدف دفع الضرر عنهم في بلدانهم؛ كي لا يتهموا بالارتباط بحزب حاكم في دولة أجنبية، وكذلك الحيلولة دون ضرب الواقع العراقي الجديد؛ بحجة وجود أجنحة غير عراقية لحزب الدعوة، وكونه حزبا غير وطني.

الحاضنة النجفية
جدير بالإشارة إن حزب الدعوة عاد مندفعا إلى النجف بعد عام ۱۹۷۹ خلال تحرك السيد محمد باقر الصدر؛ بعد فترة برود بدأت عقيب وفاة الإمام السيد محسن الحكيم عام ۱۹۷۰. ثم أبعدته الظروف الضاغطة عن النجف بعد إعدام الإمام السيد محمد باقر الصدر عام ۱۹۸۰، واستمر الإبتعاد الجغرافي حتى عام ۲۰۰۳؛ حين عاد الحزب بهدوء وانسيابية الى حاضنته النجفية. ولكن لا تزال هذه العلاقة غير مؤصلة فقهيا وفكريا، كما لم يتمظهر هذا التأصيل سياسيا؛ وإن كانت العلاقة وطيدة وتاريخية منذ عام ۲۰۰۵؛ حين تسلم ممثلو الحزب رئاسة الحكومة العراقية، ولا تزال هذه العلاقة محكمة وقوية، وإن تخللتها ملابسات خلال تشكيل الحكومة العراقية في عام ۲۰۱۴؛ على اثر إبلاغ المرجعية العليا النجفية قيادة حزب الدعوة باختيار رئيس وزراء جديد؛ الأمر الذي أدى الى تنحي نوري المالكي عن استحقاقه الانتخابي لمصلحة محازبه حيدر العبادي.
وظل حزب الدعوة بعد عام ۲۰۰۳ يوازن سياسيا في علاقته بين المرجعية النجفية العليا وولاية الفقيه في إيران؛ وإن كانت توجهاته العامة نحو المرجعية العليا النجفية، وهذا التوازن يعود الى وجود تيارات فكرية متعددة في حزب الدعوة بهذا الشأن؛ فهناك تيار يؤمن بولاية الفقيه ومصداقها الإمام الخامنئي، وهناك تيار يعود بالتقليد والتبعية الى الإمام السيستاني، وهناك تيار لا يزال يؤمن بالفكر السياسي للسيد محمد حسين فضل الله.

إلغاء التنظيم العالمي
لقد بدأ تاريخ حزب الدعوة في فجر أحد أيام عام ۱۹۵۶، وانطلق في ضحى أحد أيام عام ۱۹۵۷، وأخذ يسجل أولى مراحله في ظهيرة عام ۱۹۵۸، وحمل اسم “الدعوة” في عام ۱۹۵۹، وكانت هذه السنوات الأربعة مثل مرحلة بزوغ “الدعوة” وشروقها، ومثل عقدا الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي مرحلة السطوع بالنسبة لحزب الدعوة، واستمرت مرحلة سطوع “الدعوة” في لبنان حتى عام ۱۹۸۲؛ وهو العام الذي غرب فيه حزب الدعوة اللبناني، وكذا حزب الدعوة الإيراني في العام نفسه؛ ثم حزب الدعوة الكويتي في عام ۱۹۸۳، وحزب الدعوة البحريني في عام ۱۹۸۴، وفي السعودية وعمان والإمارات في أواسط الثمانينيات، وفي باكستان أواخر الثمانينيات، وفي افغانستان في عام ۱۹۸۸، ثم توالي انهيار باقي تنظيمات “الدعوة”في الأقاليم والمناطق؛ حتى تم إلغاء القيادات الإقليمية ولجان المناطق غير العراقية، ثم إلغاء القيادة العامة (قيادة التنظيم العالمي)، وإفراز قيادة عراقية فقط؛ عرفت بـ ((قيادة الحزب))، ولم يبق من تنظيمات حزب الدعوة سوى التنظيمات العراقية؛ التي تمكنت بعد سقوط نظام صدام حسين عام ۲۰۰۳؛ من إعادة بناء نفسها ولملمة خطوطها داخل العراق، بعد عودة قيادات الحزب وكوادره من المنافي، والظهور كأبرز الأحزاب الحاكمة.

فروع الحزب والبلد الأم
لقد انحل التنظيم العالمي لحزب الدعوة وهو في أوج سطوعه وقوته، وبظاهرة لا مثيل لها في أحزاب العالم العابرة للحدود الجغرافية، ولكن اللافت أن انهيار التنظيم العالمي للحزب لم يؤثر تأثيرا مميتا على جسد الحزب في بلده الأم؛ العراق؛ لأن الانهيار لم يكن ناتجا عن صراعات فكرية وسياسية وقومية داخل “الدعوة”؛ وإنما ناتج عن الظروف السياسية التي أحاطت بتنظيمات الحزب داخل البلدان التي كانت تتواجد فيها؛ وأبرز مظهر لهذه الظروف هو العلاقة الإشكالية بأنظمة هذه البلدان.
وبشأن صعود وهبوط تنظيمات حزب الدعوة في البلدان الأخرى؛ لديّ مشروع كتاب أعمل عليه منذ فترة؛ عنوانه “الحركية الشيعية العالمية: إرث حزب الدعوة الإسلامية في لبنان والكويت والبحرين”، وفيه تفاصيل عن انتشار تنظيمات حزب الدعوة في خارج العراق واستقطابها الكثيف والنوعي للنخب الشيعية، وأسرار الانهيار المفاجئ لهذه التنظيمات؛ وهي في ذروة قوتها.

خلاصة ثنائية العالمية والمحلية
۱- إن حزب الدعوة الإسلامية ليس حزبا عراقيا بالأساس ولا محليا أو إقليميا؛ بل حزب عالمي؛ وإن كان العراق هو جغرافيا التأسيس والانطلاق والقيادة، وتستند “الدعوة” نظريا في عالميتها الى عالمية الإسلام.
۲- تأثر حزب الدعوة الإسلامية واقعيا في بناء نظرية العالمية بوجود أحزاب وتيارات قوية في العراق عابرة للحدود؛ كالحزب الشيوعي وجماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير والتيار الناصري وحزب البعث.
۳- الذي مكن حزب الدعوة من تطبيق مبدأ العالمية في نظريته هو انتماؤه للاجتماع الديني والثقافي والسياسي النجفي؛ إذ تعد النجف عالميا الأنموذج الأبرز للحاضرة العابرة للحدود في تأسيسها وبنيتها الاجتماعية والدينية وتأثيرها المعنوي والسياسي؛ باعتبارها العاصمة الاجتماعية الدينية للمسلمين الشيعة في العالم.
۴- يعد حزب الدعوة التنظيم الأم للحركات والجماعات الإسلامية الشيعية في البلدان العربية.
۵- بدأ التنظيم العالمي لحزب الدعوة بالانهيار ابتداءً من عام ۱۹۸۲؛ حين استحال تنظيم لبنان الى حزب جديد حمل اسم حزب الله، ثم انحلال أقاليم ايران عام ۱۹۸۲ والكويت عام ۱۹۸۳ والبحرين عام ۱۹۸۴ وأفغانستان عام ۱۹۸۹، وكل الأقاليم والمناطق والمحليات التابعة.
۶- تمثلت أبرز أسباب انهيار التنظيم العالمي لحزب الدعوة في قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتمكن قيادة الإمام الخميني من اجنذاب معظم الإسلاميين الشيعة الحركيين، وقمع الأنظمة الحاكمة، والتجاذبات الفكرية والتنظيمية داخل الحزب.
تحول حزب الدعوة الإسلامية خلال عقد التسعينيات وما بعده الى حزب عراقي، واستبدل اسم قيادته من القيادة العامة الى قيادة الحزب؛ بعد إلغاء القيادة العامة والقيادات الإقليمية، وتكرست عراقية “الدعوة” بعد عام ۲۰۰۳، واستحال حزبا إسلاميا وطنيا كما حدد النظام الداخلي لعام ۲۰۰۸ هويته السياسية.
۷- كانت طريقة انهيار هيكلية القيادة العامة للحزب وتنظيماته غير العراقية وحجمها؛ يندر نظيرهما عراقيا وعربيا وإقليميا وعالميا.


ثوابت المرجعية الدينية وولاية الفقيه وموقف حزب الدعوة

الحلقة الثالثة والعشرون
من كتاب حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي

بقلم: د. علي المؤمن

المرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت؛ تمثل نيابة الإمامة في عصر غيبة الإمام، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات وواجبات وحقوق ترتبط بالجوانب العلمية والدينية والمالية والاجتماعية، وعلى أساسها تكون للمرجع الديني ولاية أو قيمومة حصرية على جملة من شؤون المجتمع الشيعي؛ كالولاية على إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، والولاية على الحقوق والأموال الشرعية؛ جباية وتوزيعاً؛ كالخمس والزكاة والصدقات ومجهول المالك وغيرها، والولاية على القضاء والتحكيم بين أفراد المجتمع، والولاية على الأمور الحسبية ذات العلاقة بالجانب النظمي الإجتماعي. ويتوسع بعض الفقهاء في إعطاء مساحة أوسع للفقيه؛ لتشمل الولاية على الحكم والدولة. ومرد الاختلاف بين الفقهاء بشأن ولاية الفقيه هي هذه المساحة فقط؛ أي الولاية على الحكم، ولايختلفون على باقي مجالات ولاية الفقيه.
وعليه فإن المرجعية الدينية وولاية الفقيه مصطلحان مرادفان؛ فكل مرجع هو ولي فقيه أيضا؛ بناء على إجماع الفقهاء، ولكن هناك وليا فقيها ذا مساحة مقيدة تقتصر على الفتوى والأموال والقضاء والحسبة، ولا تشمل الحكم، وكذلك هناك ولي فقيه ذو مساحة عامة مطلقة؛ تشمل ولاية الحكم أيضا. وهذه الشمولية لا يختارها الفقيه بناء على رغبته الشخصية أو رؤيته السياسية؛ بل هي قضية علمية فقهية؛ يتوصل اليها الفقيه عبر الاستدلال والاستنباط العلمي الفقهي، وخلال هذا الجهد العلمي قد يتوصل الى شمول ولاية الفقيه على الحكم أو لا يتوصل، وحينها يحدد موقفه الواقعي حول نوعية تصديه للشأن العام؛ أي بناء على قناعته العلمية
الفقهية.

آراء الفقهاء بشأن مساحة الولاية
ومن الفقهاء المعاصرين القائلين بولاية الفقيه العامة: الإمام الخميني والسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر والسيد علي الخامنئي. أما
الفقهاء المعاصرون القائلون بولاية الفقيه الخاصة؛ فمنهم السيد الخوئي والسيد علي السيستاني. وبصرف النظر عن القول بالعموم والخصوص؛ فإن المرجعية
الدينية أو ولاية الفقيه ظلت منذ أكثر من ۱۱۰۰ عام ( أي منذ غيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر) تقف على رأس النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وهي التي أوجدت هذا النظام بالتدريج وبلورته وحفظته من الضربات المتوالية والإنهيار. وتشكل الحوزة العلمية الشيعية مركزاً لهذا النظام، وهي ليست جامعة لتدريس العلوم الإسلامية وتخريج علماء الدين وحسب؛ بل هي مركز النظام الديني الإجتماعي الشيعي، ولذلك يقف المرجع الأعلى على رأس الحوزة العلمية ويقودها على كل الصعد.

بين الخامنئي والسيستاني
وعلى مستوى المصاديق فإن المرجعيتين الدينيتين الشيعيتين الأبرز اليوم هما مرجعية السيد علي الخامنئي؛ القائل بولاية الفقيه العامة، وهو المرجع الأعلى
والولي الفقيه في إيران، ومرجعية السيد علي السيستاني؛ القائل بولاية الفقيه الخاصة، وهو المرجع الأعلى في النجف الأشرف. وتستحوذ هاتان المرجعيتان على ما يقرب من ۷۵ بالمئة من مساحة النفوذ الديني في الوسط الشيعي في كل العالم؛ وهو الوسط الذي تبلغ كتلته السكانية نحو ( ۴۰۰ ) مليون مسلم شيعي.

فرضيات الواقع الشيعي
وبما أن حزب الدعوة الإسلامية تأسس في وسط هذا النظام الاجتماعي الديني ولا يزال يعمل في إطاره؛ فهو جزء منه، ويخضع لمعادلاته. وكان عدم الالتفات الى بعض هذه المعادلات أو تصور القدرة على تغيير بعضها الآخر؛ يتسبب في حدوث توترات بين “الدعوة”؛ كحزب إسلامي شيعي دعوي تغييري سياسي، وبين منظومة المرجعية الدينية؛ بصفتها رأس هرم النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وعليه؛ فإن النظرة الى المرجعية الدينية تتجاوز القناعات الفكرية والاجتماعية والسياسية؛ لتندك بالواقع ومتطلباته، وأهم فرضيات هذا الواقع:
۱- إن المرجعية الدينية العليا ليست مرجعية علمية فقهية وحسب؛ بل هي منظومة دينية اجتماعية؛ تقف على رأس النظام الديني الإجتماعي للطائفة الشيعية الإمامية في العالم، ولهذه المنظومة معادلات ثابتة وسياقات عمل ونظم فرعية وتقاليد؛ أقلها أهمية هو الموضوع العلمي المرتبط بالدراسة والفتوى، وأكثرها أهمية هو أسلوب إدارتها للشأن العام. وعمر هذه المنظومة أكثر من أحد عشر قرناً، أي أن المرجعية وحوزتها هو الوجود الأصيل والثابت الوحيد في النظام الديني الاجتماعي الشيعي. أما حزب الدعوة؛ الجماعة الدعوية السياسية؛ فهو وجود عارض متغير يعمل في إطار النظام الديني الاجتماعي الشيعي، ولم يتجاوز عمره ستة عقود. وبالتالي فحزب الدعوة والمرجعية الدينية ليسا متساويين في الشأنية الدينية الاجتماعية (الاجتماع الديني الشيعي) ولا مساحات العمل والتصدي، ولا التأثيرات المعنوية، ولا هما متشابهان في الوظيفة والماهية، ولذلك لا يمكن القول بوجود علاقة متكافئة، أو علاقة ندية، أو إمكانية تبادل مواقع إدارة النظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ بل هي علاقة المتغير بالثابت، والفرع بالأصل، والتابع بالمتبوع.
۲- بصرف النظر عن الأسانيد الروائية والعقلية لمبدأ المرجعية والحاكمية والولاية، وتطبيقاته وتحولاته وتطور منظومته؛ فإنه قبل كل ذلك يمثل أمراً واقعاً قائماً ضاغطاً، وينبغي لحزب الدعوة التعامل معه تعاملاً واقعياً لا تعاملاً معيارياً؛ أي التعامل مع منظومة المرجعية العليا كما هي كائنة، لا كما ينبغي أن تكون من وجهة نظر الحزب، وأن لا يتعارض عمل الحزب مع سياقات ونظم منظومة المرجعية العليا؛ سواء قبِل بتفاصيل هذه المنظومة أو لم يقبل، وسواء كانت صحيحة برأيه أو خاطئة. صحيح أن مدرسة "الدعوة" هي مدرسة السيد محمد باقر الصدر التغييرية النهضوية؛ ذات المنهجية المعيارية النقدية؛ ولكن ليس من شأن حزب الدعوة ووظيفته الحديث عن إصلاح منظومة المرجعية وسلوكياتها؛ لأن إصلاحها شأن داخلي خاص بالمنظومة نفسها، ويمكن لعلماء الدين "الدعاة" من الصف الأول (المجتهدون والفضلاء) المساهمة في عملية الإصلاح والتقويم، والاستفادة من آراء الدعاة (أكاديميين ومثقفين وباحثين) ودراساتهم ونقودهم وتقويماتهم الداخلية الخاصة، وتكون مساهمة هؤلاء العلماء بصفتهم الحوزوية وليست الحزبية. وفي المقابل تمتلك المرجعية العليا ومنظومتها الحق في الحديث عن إصلاح “الدعوة” وتقويم فكرها وسلوكها؛ بل أن هذا جزءاً من وظيفتها الدينية الإجتماعية.
۳- من أجل أن يكون تعامل حزب الدعوة مع المرجعية العليا تعاملاً واقعياً ومنتجاً ومثمراً؛ ينبغي للدعاة فهم منظومة المرجعية وسياقات عملها وحركتها ونظمها الفرعية وتقاليدها؛ فهماً توصيفياً دقيقاً؛ بدءاً بمدخلية البيوتات، وأساليب تدوير الحقوق الشرعية، ودور الأصهار والأولاد، وأساليب اختيار المرجعية العليا، وطرق الاعتراف العرفية بمرجعية ما، وطبيعة عمل الكيانات غير العراقية وغير العربية في الحوزة، وانتهاء بالفرق بين المعمم والآخوندي، ولهجة التخاطب والتدريس في الحوزة. وينبغي القبول بها جميعاً والتعامل معها كما هي؛ لا كما ينبغي أن تكون من وجهة نظر الدعاة كنخبة واعية مثقفة تغييرية؛ كما سبق أن ذكرنا. علما إن ما يعيه الدعاة في هذه المنظومة هو الأقل تعقيداً فيها؛ كالجانب العلمي والفتوائي والتبليغي؛ لأنه الجزء الطافي من جبل الجليد.
۴- إن منظومة المرجعية الدينية بطبيعتها هي منظومة تقليدية في بناها وأساليب عملها وحركتها، أما المحاولات الاصلاحية في الحوزة فلم تلامس ثوابت هذه المنظومة يوماً، ولن تستطيع ملامتسها؛ بل تلامس التفاصيل والمتغيرات. وما حركات المراجع المصلحين المعاصرين في الحوزة؛ وأهمها حركة السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر؛ إلا موجات وتيارات تأتي وتؤسِّس، ثم يبقى منها ما يتوافق مع ثوابت المنظومة المرجعية التقليدية. وحتى منظومة ولاية الفقيه المتمثلة بالإمام الخميني ثم السيد علي خامنئي؛ بالرغم من قوتها المعنوية والمادية، وكونها أكبر مرجعية دينية في ايران، ومشاريعها لإصلاح الحوزة القمية؛ ولكن تدخلها اقتصر على التنظيم ومأسسة النظم الفرعية، ولم تتدخل في الثوابت التقليدية لمنظومة المرجعية؛ فبقيت المنظومة تقليدية في ثوابتها، ومنظمة ومؤسَسِية في متغيراتها، بل لم يكن تدخل الولي الفقيه بصفته سلطة الدولة؛ ولكن بصفته المرجعية، وكونه رأس هرم النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وهي الصفة التي تجد قبولاً غالباً لدى الحوزة العلمية ومنظومة المرجعية.
۵- إن المرجعية تمثل دائما الأبوّة لكل الوجودات الثقافية والسياسية والاجتماعية الشيعية؛ وإن كان بعضها ناقداً للمرجعية أو متمرداً على جزء من ثوابتها ومتغيراتها، أو كانت المرجعية لا تتوافق منهجياً مع هذه الوجودات المتغيرة العارضة، فحزب الدعوة –مثلاً- كوجود تغييري إصلاحي ناقد؛ يمتلك منهجيات قد لا تتطابق مع منهجية المرجعيات التقليدية؛ فإنه ظل يحظى منذ تأسيسه بحماية ودعم المدارس الرئيسة في الحوزة النجفية: مدرسة السيد محسن الحكيم الإصلاحية ومدرسة السيد أبي القاسم الخوئي التقليدية ومدرسة السيد محمد باقر الصدر التغييرية؛ رغم الاختلاف المنهجي بين هذه المدارس من جهة، واختلاف منهجيات حزب الدعوة مع بعضها من جهة أخرى، وكانت هذه المدارس بشخوص مراجعها الثلاثة حاضنة لحزب الدعوة ومدافعة عنه وداعمة له مادياً ومعنوياً. وبالتالي فالمرجعية العليا هي (أم الولَد) التي تستوعب أبناءها وتحتضنهم وتخشى عليهم الضرر؛ وإن أخطؤوا بحقها أو بحق الواقع الشيعي.

الدعوة" ليست مدرسة فقهية "
۶- إن حزب الدعوة غير معني بترجيح مرجع ديني على آخر في جانب التقليد، ولا ترجيح مبدإ فقهي على آخر ترجيحاً فقهياً؛ لأن “الدعوة” ليست مدرسة فقهية أو مرجعية علمية أو جهة خبروية لكي ترجح ـ مثلاً - مبدأ ولاية الفقيه العامة ( المبدأ السائد في الدولة الإيرانية)، على مبدأ ولاية الفقيه الخاصة (السائد في الحوزة النجفية)، أو العكس. قد يكون هذا الترجيح طبيعياً من الفقهاء وعلماء الدين "الدعاة" من الصف الأول (المجتهدون والفضلاء)؛ بصفتهم العلمية الدينية كخبراء، وليس بصفتهم الحزبية؛ ولكن ـ في الوقت نفسه ـ لا مسوغ للمجتهدين الدعاة لفرض آرائهم على الحزب ليتبناها رسمياً. أما اختيار حزب الدعوة غطاءً شرعياً يتفق ومتبنياته الفكرية ومدرسته التغييرية؛ مفهوماً ومصداقا؛ فسيكون ضرورياً لترشيد موقفه الشرعي وإخراجه من حالة الإحراج في الالتزام بجميع الآراء الفقهية ومصاديقها، وللتخلص من التجاذبات الداخلية والنقاش المستمر بين الدعاة. فالدعاة متعارضون في مواقفهم الشرعية حيال ثنائية المرجعية والولاية، ويخرجون أحياناً على الاعتدال والتوازن في القول والتفسير والتطبيق؛ فهناك من يرى ان المرجعية الدينية مؤسسة دينية علمية تبليغية تنتج معرفةً وفقهاً، ولو أنتجت رأياً في الشأن العام فهو رأي إرشادي غير ملزم لغير مقلدي المرجع، وهناك من يعطي المرجعية النجفية العليا (مرجعية السيد السيستاني تحديداً) ما لا تريده ولا تعتقد به؛ فيقول أنها قيادة الأمة، وأن آراءها أحكاما ولائية ملزِمة، وهناك من الدعاة من يؤمن بولاية الفقيه بمصداقها السيد علي خامنئي ويدافع عن هذا الخيار بشدة. ولذلك فإن خلاص “الدعوة” من التبعات السلبية للتجاذبات بين المرجعيات أو الخلافات داخل الحزب حول المرجعيات؛ يكمن في النأي بالنفس عن التدخل في الشأن المرجعي والحوزوي، وعدم ترجيح مرجعية على أخرى؛ باستثناء من أجمعت الحوزة على مرجعيته العليا.
۷- هناك رواسب فكرية وواقعية؛ رغم انتهاء مفعولها؛ إلّا أنها لا تزال تشكل شبهات حول حزب الدعوة بخصوص علاقته بالمرجعية؛ كفكرة “تصدي شورى المؤمنين لمشروع إقامة الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة وقيادتها”، وفكرة “الساحة لمن يتصدى لها” أو “الساحة لمن يتقدم”، ونبرة “قالت القيادة وقالت المرجعية”، والمنهج النقدي للدعاة حيال النظم العرفية للمرجعية والحوزة وتقاليدهما. ولعل حسم “الدعوة” موقفها من هذه الأفكار والشبهات سيجعل العلاقة النفسية والواقعية بين حزب الدعوة ومنظومة المرجعية أكثر نجاحاً وإنتاجاً.
۸- إن حظوة حزب الدعوة لدى المرجعية العليا النجفية ولدى ولاية الفقيه في ايران في مرحلة ما بعد سقوط نظام البعث العام ۲۰۰۳ وحتى الآن؛ هي حظوة متميزة ومتفردة عن جميع الجماعات الإسلامية الشيعية العراقية الأخرى؛ كالتيار الصدري والمجلس الأعلى ومنظمة بدر وحزب الفضيلة وحركة العصائب وكتائب حزب الله وغيرها؛ فهناك أسباب موضوعية كثيرة جعلت حزب الدعوة هو الأقرب الى السيد السيستاني وبيته من جميع الحركات الشيعية العراقية الأخرى، وظل خياره الأول في الدفع باتجاه إدارة الدولة وقيادة الحكومة، وكذا الحال بالنسبة للسيد الخامنئي؛ الذي يعدّ حزب الدعوة خياره الأول أيضاً في هذا المجال. وحتى خلال ملابسات الترشح لرئاسة الحكومة العراقية عام ۲۰۱۴ وتشكيلها؛ فإن قرار السيد السيستاني كان مع مرشح بديل لنوري المالكي؛ على أن يكون من حزب الدعوة تحديداً، وأن يختاره نوري المالكي نفسه، وهي ثقة كبيرة توليها المرجعية العليا لحزب الدعوة ولشخص أمينه العام، لاتحظى بها الجماعات الأخرى. أما السيد الخامنئي فكان يرى الإبقاء على نوري المالكي رئيساً للوزراء لدورة ثالثة، وفي حال كانت هناك ظروف قاهرة تحول دون ذلك؛ فإن البديل ينبغي أن يكون من حزب الدعوة أيضاً. ورأي المرجعين السيستاني والخامنئي لا يزال هو نفسه منذ العام ۲۰۰۵ وحتى الآن. ولذا يرى الدعاة المقربون من مركز القرار المرجعي في النجف وإيران بأن التخطيط المنهجي لاستثمار هذه الأسباب وتحويلها الى برامج عمل؛ ستنتهي دائما لما فيه المصلحة المشتركة للمرجعية العليا وحزب الدعوة والواقع الشيعي.


حقيقة إتهام حزب الدعوة بعدم طاعة المرجعية الدينية

الحلقة الرابعة والعشرون
من كتاب حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي

بقلم: د. علي المؤمن

حزب البعث يتهم الصدر والدعوة بالعداء للمرجعية
في العام ۱۹۷۹؛ بالتزامن مع تحرك الإمام السيد محمد باقر الصدر؛ كانت عناصر الأمن والمخابرات وحزب البعث في النجف الأشرف؛ تستند الى مصطلحات ومعايير دينية مدروسة في نصحها للشباب المؤمن الناشط، تنصحهم أن لا يتورطوا مع جماعة الصدر العملاء المعادين للمرجعية الدينية؛ لأن الصدر هو ضد المرجعية، ولديه حزب يحارب المرجعية، وهؤلاء خطر على الشيعة، وإن الصدر عميل أميركي وعميل للخميني، وإن الخميني هو عميل أميركي أيضاً.
ولم يكن هذا النوع من آلتهم المدروسة بعناية في الغرف المظلمة لأجهزة المخابرات العراقية والإقليمية والعالمية؛ بعيدة عن مسامع الناس في الأوساط الدينية أو القريبة منها اجتماعياً؛ فقد كان يتحدث بها بعض المعنيين وغير المعنيين؛ متدينين وغير متدينين؛ كأنها أمر بديهي غير قابل للنقاش، كما كان الحديث عن عداء (جماعة الصدر) للمرجعية والحوزة وخطورتهم على الشيعة؛ هو الشائع الذي يركز عليه رجال الأمن والمخابرات والبعثيون أكثر من غيره؛ بهدف التنكيل بالدعاة وتعميق الفرقة بينهم وبين الاتجاه العام في الحوزة العلمية والمتدينين التقليديين.
في هذه الفترة؛ لم يكن السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة الإسلامية؛ المستهدَفين الوحيدين من هذه الهجمة؛ بل كان كل التيار الإسلامي السياسي الشيعي متهماً بهذه التهم أيضاً؛ تزامناً مع اندلاع الثورة الاسلامية في ايران بقيادة الإمام الخميني؛ الذي كان يمثل قيادة هذا التيار؛ بل كان بعض المتدينين المحافظين الشيعة يقولون: ((الخميني يريد إسقاط الشاه الذي هو الملك الشيعي الوحيد في العالم )).

هجمات المهجر الإيراني
وفي مرحلة المهجر الإيراني؛ بدءاً من عام ۱۹۷۹؛ تطورت تهمة عدم إيمان حزب الدعوة بالمرجعية الى تهمة أخطر؛ وهي عدم إيمان الحزب بولاية الفقيه، وإن الدعاة هم ضد مبدأ ولاية الفقيه، ولا يوالون مصداقها، وهذه التهمة تعني؛ وفقا
لمبدإ ولاية الفقيه؛ خروجا نظرياً على ولي الأمر مبسوط اليد، وكان المناوئون لحزب الدعوة من الفرقاء السياسيين الشيعة العراقيين المتواجدين في إيران يغذون هذه التهمة؛ على خلفيات مليئة بالمفارقات والتناقضات؛ فكانوا يقولون للجمهور العراقي في إيران: بأن حزب الدعوة لا يؤمن بالمرجعية الدينية، ويقولون للإيرانيين الحكوميين: بأن حزب الدعوة لا يؤمن بولاية الفقيه، وبالتالي؛ لم يكن بعض الإيرانيين المتشددين يتهمون حزب الدعوة بعدم الإيمان بالمرجعية؛ بل العكس؛ يقولون: بأن حزب الدعوة تابع لمرجعية النجف؛ وبأنهم (جماعة الخوئي)، ولا يؤمنون بولاية الإمام الخميني، فكان الدعاة يواجهون نيران تهمتين متعارضتين؛ وهي مفارقة تستند الى شبهة واقعية؛ لأن حزب الدعوة هو ابن مدرسة النجف بالفعل، ونتاج نظرية السيد محمد باقر الصدر الفقهية السياسية، وتأسس في كنف مرجعية الإمام الحكيم وتأثر بها، وإن كثيراً من قيادات الدعوة وكوادرها وأعضائها يقلدون الإمام الخوئي؛ وإن أكثر علماء حزب الدعوة هم من تلاميذ السيد الخوئي، ولكن في الجانب الفعلي كان حزب الدعوة في حالة حرب دموية شاملة مع نظام البعث، ويتماثل فقهياً وفكرياً ومنهجياً وميدانياً مع نظام ولاية الفقيه.

اتهامات المدرسة النجفية
بين تهمة عدم إيمان حزب الدعوة بالمرجعية الدينية الى تهمة عدم الإيمان بولاية الفقيه؛ كانت تبرز حزمة المفارقات التي تخلقها ثلاثة أطراف معنية؛ تنتمي الى البيئة العراقية الدينية بشقيها التقليدي والسياسي، والبيئة الإيرانية المؤمنة بمبدأ ولاية الفقيه، وبعض الدعاة الذين تركوا التنظيم.
في إطار المدرسة النجفية وامتداداتها خارج العراق؛ التي ترمز عادة الى توجهات الوسط الديني الشيعي بشقيه التقليدي والإصلاحي؛ ظلت تهمة عدم إيمان حزب الدعوة بالمرجعية الدينية،وعدم الالتزام بأوامرها؛ تستند الى المعطيات التالية:
۱- إن حزب الدعوة هو حزب سياسي ديني؛ يعتمد ايديولوجية غير مسبوقة في الوسط التقليدي الديني والحوزوي؛ فهو يؤمن بإقامة دولة إسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي؛ وهي نظرية غير مقبولة ـ غالباً ـ في هذا الوسط؛ لقول بعضهم بحرمة قيام راية ودولة إلا على يد المعصوم أو اذنه؛ وفق جزء من الموروث الفقهي الشيعي، ولكن السيد محمد باقر الصدر أسس نظرية فقهية جديدة قام عليها حزب الدعوة؛ قلبت موازين الفقه السياسي الاسلامي لمدرسة الإمامة، فكانت نظرية السيد الصدر تعتمد الشورى في قيادة العمل في أول أربع سنوات من عمر الدعوة (۱۹۵۷ ـ ۱۹۶۱)، ثم طوًر نظريته بعد ذلك؛ حين اعتمد نظرية ولاية الفقيه؛ بالمضمون نفسه الذي طرحه الشيخ محمد رضا المظفر في كتاب “عقائد الإمامية” والإمام الخميني في كتاب “الحكومة الإسلامية”، وفي النتيجة؛ كان من البديهي أن تتعارض نظرية حزب الدعوة في العمل الاسلامي السري وفي تأسيس الدولة الاسلامية في عصر الغيبة مع النظرية الموروثة الحاكمة في الحوزة العلمية، وبالتالي؛ ظهور نوع من عدم الانسجام مع هذا الوسط؛ وصولاً الى ما أسماه خصوم الدعوة بعدم التبعية للمرجعيات الدينية.
۲- إن حزب الدعوة كان يريد تنفيذ منهجه ومشروعه في التحرك الخاص؛ بعيداً عن تأثيرات مكاتب المرجعيات؛ لأن هذه التأثيرات وخصوصياتها تتعارض مع مشروع “الدعوة” وخصوصيته، وكان هذا مدعاة لتهمة أكبر؛ هي العداء للمرجعية.
۳- إن حزب الدعوة لم يتبن مرجعية بعينها؛ بل حرّر أعضاءه من ضغط تقليد مرجع بعينه؛ بالنظر لتعدد المرجعيات واختلاف رؤاها الفقهية أحياناً، وتوجهاتها ومواقفها السياسية والاجتماعية والفكرية أحياناً أخرى.
۴- في الفترة التي أعقبت وفاة مرجع الطائفة الإمام الحكيم؛ انقسمت المرجعية النجفية العليا بين الإمام الشاهرودي والإمام الخوئي، وحدث فراغ نسبي في قيادة الشأن العام؛ أي قيادة الواقع الشيعي التي كان يمسك بها الإمام الحكيم؛ في الأبعاد الاجتماعية والإصلاحية والسياسية؛ الأمر الذي دفع الثنائي القيادي لحزب الدعوة؛ عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي؛ لطرح فكرة ((الساحة لمن يتصدى لها)) و ((القيادة لمن يتقدم))؛ على اعتبار أن القيادة فعل وليس منصباً؛ كما كانا يثقفان عليه الدعاة، أي ان المرجعية؛ من الناحية المصداقية الواقعية وليس المفهومية؛ إذا تصدت للشأن العام أو قيادة الأمة؛ كما كان في مرحلة الإمام الحكيم؛ فإن “الدعوة” ستسير خلفها، وتكون قيادة الأمة للمرجع المتصدي المبسوط اليد، وإذا لم تتصد المرجعية الدينية للشأن العام ولقيادة الواقع الشيعي، وحصرت نشاطها في الشأن الخاص؛ أي البعد العلمي والديني المحض؛ فإن حزب الدعوة سيضطر لملء الفراغ والتصدي للشأن العام؛ أي لقيادة الأمة، و كانت هذه الفكرة من أهم المؤاخذات النظرية التي استثمرها خصوم «الدعوة» في الوسط الديني ضد الحزب.
۵- حين تبنى حزب الدعوة مرجعية السيد محمد باقر الصدر؛ بعد أن طرح رسالته العملية (الفتاوى الواضحة) في منتصف السبعينيات؛ أصبحت الأغلبية الساحقة من وكلاء الصدر هم من علماء الدين الأعضاء في حزب الدعوة؛ بواقع ۸۰ وكيلاً داعية من مجموع وكلاء السيد الصدر الـ ۱۰۰ في داخل العراق وخارجه، ولكن لم تفرض قيادة الحزب على أعضائها تقليد السيد الصدر؛ بل كانت تروج لمرجعيته في أوساط الدعاة والمناصرين؛ في وقت كان معظم الدعاة يقلدون السيد الخوئي، وبذلك أصبح هناك خروج على المألوف الراسخ؛ والمتمثل في عدم تقليد الدعاة للمراجع الأكبر سناً والأشهر في الأعلمية؛ ولاسيما المرجع الأعلى السيد الخوئي، لصالح تقليد السيد محمد باقر الصدر، وهو فقيه شاب في بداية أربعينيات عمره؛ وهو ما تم تصنيفه أيضاً عدم تبعيته للمرجعية العليا، بل هناك مقترح طرحه الثنائي القيادي محمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل في عام ۱۹۷۱ على السيد محمد باقر الصدر؛ بأن يعلن الصدر عن مرجعيته، وتروج لها «الدعوة» وتنشرها؛ لملء الفراغ القيادي في الساحة الشيعية، وكان السيد الصدر حينها بعمر ۳۶ سنة، وهو خروج كبير على المألوف؛ رغم ما كان السيد الصدر قد بلغه من المستوى العلمي والفقهي العملاق، ولكن فكرة إعلان المرجعية اكتملت عند السيد الصدر في العام ۱۹۷۴.
۶- حين أعلن المرجع السيد محمد باقر الصدر عن مشروع الثورة؛ بايعته قيادات حزب الدعوة في إقليم العراق على الموت في طريق مشروعه، وأصدر المجلس الفقهي للدعوة الذي يضم: آية الله الحائري، آية الله الآصفي، آية الله التسخيري، آية الله العسكري، آية الله فضل الله وغيرهم؛ فتوى شرعية في عام ۱۹۷۹ بالانتقال الى مرحلة العمل المسلح، وكان من البديهي أن يتعارض التحرك الثوري للسيد الصدر والعمل المسلح لحزب الدعوة مع التوجهات المعلنة للمرجعية النجفية العليا؛ وهو ما يمثل عدم التزام بمواقف المرجعية.
۷- إن حزب الدعوة دخل في مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وأصبح جزءاً من منظومة ولاية الفقيه التي لا تؤمن بها المرجعية النجفية كمبدإ فقهي.




رمز الوثيقة: 96156
 
Share/Save/Bookmark